ومن الحوادث الشنيعة ما وقع لقاضى القضاة الحنفى على بن ياسين الطرابلسى بسبب وقف الخواجا شهاب الدين بن أحمد بن صالح السكندرى، فطلع قاضى القضاة الحنفى إلى ملك الأمراء، فلما رآه (١) مقبلا من بعيد، قال لمن حوله: إيش طلع هذا الثقيل يعمل؟ فلما جلس بحضرة ملك الأمراء وأخرج مكتوب الوقف الذى زوّروه وثبت عليه، فانتبذ له جماعة من القضاة وحضر أبو الفتح الوفاى المالكى الذى حكم لابن الخواجا شهاب الدين السكندرى، وحضر ذلك المجلس القاضى صالح العثمانى نائب قاضى العسكر، فلما أخرج قاضى القضاة الحنفى المكتوب الذى صنعوه، دفعه ملك الأمراء إلى القاضى صالح، وقال له: انظر فى هذا المكتوب. فلما قرأه، قال:
هذا الحكم الذى حكمه القاضى الحنفى باطلا لا تجوز (٢) قراءته. فحصل لقاضى القضاة الحنفى فى ذلك المجلس غاية البهدلة، واسمعته الفقهاء الكلام المنكى، وانتصف عليه القاضى أبو الفتح الوفاى فى ذلك الحكم الذى حكمه، فقام قاضى القضاة من ذلك المجلس وهو يتعثّر فى أذياله مما قاسى من البهدلة من ملك الأمراء، ومن القاضى صالح وغيره. وكان قاضى القضاة الحنفى غير محبّب للناس، وكان عنده صعصعة وجنّ وسوء تدبير، ويبس طباع مع رهج، وخفّة زائدة مع عبوسة وجه وشناعة زائدة، وقد قلت فيه:
ربّ قاض قد اعتراه جنون … شأنه الرهج ما لديه سكون
لم يفده علمه إذا جنّ شيئا … فهو فينا معلم مجنون
وقولى أيضا:
كم ضاع للنعمان من مذهب … فى عصرنا لما تولّى فلان
تبّا له من قاض أهوج … أحكامه مشهورة بالجنان
وفى يوم الأربعاء سلخ شهر شعبان كانت ليلة رؤية هلال شهر رمضان، فلم يحضر من قضاة القضاة أحد إلى المدرسة المنصورية على جارى العادة، فإنهم كانوا منفصلين عن القضاة، فحضر بعض نوّاب القضاء، منهم: شمس الدين المجولى الشافعى، وشهاب