الحركة عن آخرها. فقيل مجموع الذين (١) قبض عليهم نحو ألفى إنسان، وقيل أكثر من ذلك، وحصل للناس غاية الضرر. وقيل مات فى سجن الديلم جماعة كثيرة ممن قبض عليه إلى أن خرج العسكر، فماتوا من الجوع وشدّة الحرّ والوخم، ونزل على أهل مصر نازلة عظيمة بسبب ذلك لم يسمع بمثلها قطّ. - انتهى ما أوردناه من حوادث شهر رجب، وكان كثير وقوع الحوادث فوقع فيه أمور عجيبة ووقائع غريبة، والأمر لله.
وفى شهر شعبان أهلّ يوم الأربعاء، فلم يطلع أحد من القضاة الأربعة للتهنئة بالشهر، فإنهم استمرّوا فى العزل المقدّم ذكره، وصار قاضى العسكر هو المتكلّم على المذاهب الأربعة. - ومما وقع فى هذا الشهر من الحوادث أن الأخبار قدمت من الصعيد، بأن القاضى فخر الدين بن عوض لما توجّه ليمسح جهات الصعيد أدخل سائر الرزق الأحباسية قاطبة فى المساحة التى بالمكاتيب الشرعية والمربّعات والمناشير، وقال لأصحابها: من أراد الإفراج عن رزقته يقف إلى ملك الأمراء ويحضر مرسومه بالإفراج عن رزقته. ثم إنه منع الفلاّحين من إعطاء خراج الرزق حتى يحضروا بالإفراجات من عند ملك الأمراء، فاضطربت أحوال أصحاب الرزق وتنكّدوا غاية النكد، وصار كل من وقف إلى ملك الأمراء بسبب رزقته وأحضر مكتوبه أو مربّعته يأخذ منه المكتوب أو المربّعة ويقول له: امضى إلى حال (٢) سبيلك، الرزق قاطبة دخلوا الذخيرة. فيرجع وهو فى غاية القهر. أقول أن الرزق الأحباسية قط ما تعرض لها أحد من سلاطين مصر، ولا أخرج منها شيئا عن أصحابه، ولا ضيّقوا عليهم بسبب ذلك، ويقال إن الإمام الليث ابن سعد ﵁ هو الذى دوّن ديوان الأحباس فى أيامه، وأفرد للرزق الأحباسية ديوانا يختصّ بها دون ديوان الجيش، واستمرّ ذلك باقيا من بعد الإمام الليث إلى الآن، حتى جاء فخر الدين بن عوض فنقض ذلك الأمر الذى كان على جهات البرّ والصدقات، وأبطل أمر الرزق الأحباسية وأدخلها فى الذخيرة، وأبطل ما كان صنعه الإمام الليث بن سعد