وكتابة الخزانة من أوائل دولة الأشرف برسباى، وكان أول اشتهارهم وظهورهم فى أول دولة الملك المؤيد شيخ، وذلك نحو مائة وعشرين سنة، فما انهانوا فيها قط، ولا ضربوا ولا صودروا، ولا جرى عليهم قط تشويش، وهم فى كل دولة معظّمون مكرمون ما تبهدلوا قط وما جرى عليهم ما جرى على الشهابى أحمد هذا، وكانت السلاطين تعظّمهم غاية التعظيم إلى آخر دولة الأشرف الغورى.
وفيه وقعت حادثة غريبة، وهو أن شخصا من تجار الروم الذين (١) بخان الخليلى يقال له الخواجا محمود العجمى التبريزى، وهو فى سعة من المال، وكان يقرض أعيان المباشرين المال بالفوائد الجزيلة، ويأخذ الربا من الناس على القرض، ولا سيما المحتاج لذلك، فاتّفق أنه سكر يوما وأتى إلى داره، فوجد جواريه قد تشاجروا فى بعضهم وتقاتلوا قتالا مهولا فحنق منهم، فضرب جارية حبشية منهم على ضلعها فجاءت الضربة صائبة فماتت الجارية من وقتها وكان له منها أولاد، فقامت عليه الأشلة من أهل الحارة لأجل ذلك، فطلع إلى ملك الأمراء وقصّ عليه القصّة بأمر تلك الجارية واعترف بقتلها، فغضب عليه ملك الأمراء ورسّم عليه ثم أرسله إلى عند الوالى، فركب الوالى وتوجّه إلى دار الخواجا محمود ليكشف عن أمر تلك الجارية كيف قتلت، فوجد الخواجا محمود ظالما عليها وقد قتلها بغير ذنب، وشهدت أهل الحارة بأنه يسكر كل ليلة ويعربد فى الجوار، فطلع الوالى إلى ملك الأمراء وأخبره بسيرته القبيحة وأنه ماش على غير الطريق وأثخن جراحاته عند ملك الأمراء، فرسم بسجن الخواجا محمود فى العرقانة، فقيل إنه سأل ملك الأمراء بأن يدفع إليه ألف دينار فأبى من ذلك، ولو أن الخواجا محمود أرضى الوالى بمائة دينار وستّر هذه (٢) الكاينة ما وصل الأمر إلى ذلك، ولكن اتسعت هذه الواقعة إلى الغاية، وأشيع أن ملك الأمراء طلب منه عشرة آلاف دينار، وهذا كله آفة الربا الذى كان يأخذه من الناس فإنه كان يقرض الألف (٣) دينار بألف وخمسمائة دينار، والذى خبث لا يخرج إلا نكدا، فختم ملك الأمراء على حواصله، ثم شفع فيه بعض الأمراء العثمانية فأخذ