ومن الوقائع الغريبة أن فى يوم الثلاثاء سادس عشره وقعت نادرة غريبة، وهو أن شخصا ظهر بالنحارية وزعم أنه السلطان قانصوه الغورى قد ظهر وهو فى قيد الحياة، وصار يفسد عقول الفلاحين ويقول لهم: أنا السلطان الغورى. وصار يكتب كتبا ويرسلها إلى مشايخ العربان وهى مخلّقة بالزعفران، فصدّق بذلك غالب الناس بأن السلطان الغورى قد ظهر وهو فى قيد الحياة فامتلأت القاهرة بهذه الإشاعة.
فلما قويت أخبار ذلك الرجل بهذه الإشاعة، أرسل ملك الأمراء بالقبض عليه من النحارية، فقبضوا عليه وأحضروه بين يدى ملك الأمراء. فلما مثل بين يديه عرفه، وكان نصب عليه قبل ذلك وهو نائب حلب، وادّعى وأشاع بحلب أنه قانصوه خمسمائة الذى تسلطن، وأفسد عقول الناس بحلب أيضا، فضربه ملك الأمراء فى حلب بالمقارع وقطع أنفه، ثم أتى إلى مصر وأشاع أنه الأمير محمد بك قريب السلطان الغورى الذى قتل فى غزاة الفرنج، وقد نصب بسبب ذلك وأخذ من الكشّاف ومشايخ العربان جملة تقادم، وقد قرّب إلى عقولهم أنه الأمير محمد بك قريب السلطان، فقبض عليه السلطان الغورى وضربه وسجنه بالمقشرة فأقام بها مدّة.
وقيل كان أصله من القوّاسة ببعض جهات دمشق. فلما أن سافر السلطان الغورى إلى حلب، واستقرّ بالأمير طومان باى الدوادار نائب الغيبة، فأطلقه من المقشرة مع جملة من أطلقه، فلما ادّعى أنه السلطان الغورى وقبض عليه ملك الأمراء خاير بك، فقال له: أنا ما قطعت أنفك بحلب، وقلت لى إنك تبت من الكذب على الملوك؟ ثم إنه رسم بتكليبه على باب الشعرية، فنزلوا به من القلعة وربطوا رجليه فى ذنب إكديش، وصار يسحبه على وجهه من القلعة إلى باب الشعرية، والمشاعلية تنادى عليه: هذا جزاء من يكذب على الملوك. فرجّت له القاهرة فى ذلك اليوم، وكان يوما مشهودا فى الفرجة عليه، والناس تقول: قد مسكوا السلطان الغورى. فلما وصل إلى باب الشعرية كلبوه على الباب بين البرجين، فاستمرّ مكلبا ثلاثة أيام لم يمت، فلما بلغ ملك الأمراء أنه لم يمت إلى الآن، فرسم أن ينزلوه ويوسّطوه فأنزلوه ووسّطوه على باب الشعرية فى مفرق الطرق بعد أن قاسى أنواع العذاب، فدفنوه ومضى أمره،