للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الحارات والأزقّة ويقتلونهم أشرّ قتلة، وصاروا يعلّقونهم على الدكاكين ولم يعلم ما سبب ذلك. ثم أشيع بأن عادة التراكمة فى بلادهم بإسطنبول إذا كثرت عندهم الكلاب فى المدينة يقتلون (١) منهم فى كل سنة جانبا كبيرا (٢) فى أيام الخماسين، ويزعمون أن بذلك يخفّ الطاعون من المدينة، فصارت عندهم هذه عادة. ثم استمرّ السيف يعمل (٣) فى الكلاب يوما وليلة حتى هجّت الكلاب مما دهاهم إلى الترب والصحارى.

وقد قلت فى المعنى:

تأمّلوا ما جرى بمصر … من حادث عمّ بالعذاب

فما رعوا الترك فى دماء … فكيف يرعوا دما الكلاب

فلما تزايد الأمر فى قتل الكلاب، طلع الزينى بركات بن موسى المحتسب إلى ملك الأمراء خاير بك وشفع فى الكلاب من القتل، وقال لملك الأمراء: لا تتعرّض إلى قتل الكلاب فإن (٤) أزبك أمير كبير تعرّض لقتل الكلاب الذى كانوا بالأزبكية فلم يعش بعد ذلك غير سنة واحدة ومات. فرجع ملك الأمراء عن قتل الكلاب، ونادى فى القاهرة بأن ترفعوا القتل عن الكلاب، وكل من قبض على كلب يطلقه إلى حال سبيله، فدعوا الناس للقاضى بركات بن موسى الذى شفع فى الكلاب من القتل، ثم سكن الاضطراب الذى كان بالقاهرة بسبب قتل الكلاب.

وفى هذه الأيام أشيع أن ملك الأمراء أخذ فى أسباب تحصين القلعة، وسدّ منها عدّة أبواب، وحصّن الأبراج التى (٥) بها وركّب عليها المكاحل، وشرع فى عمل عجلات وعمل مكاحل ومدافع وعمل نشّاب، وما يعلم سبب ذلك. ثم أشيع أن ملك الأمراء أحضر مصحفا شريفا وأحضر الأمراء العثمانية الذين (٦) بمصر وحلّفهم عليه بأنهم لا يخونوه ولا يغدروه وأن يكونوا هم (٧) وإياه كلمة واحدة. ثم إنه حلّف الأمير قايتباى الدوادار بمعنى ذلك، فأقاموا الأمراء فى القلعة إلى بعد الظهر وهم فى ضرب مشورة بينهم.


(١) يقتلون: يقتلوا.
(٢) جانبا كبيرا: جانب كبير.
(٣) يعمل: يعلم.
(٤) فإن: بأن.
(٥) التى: الذى.
(٦) الذين: الذى.
(٧) هم: هو.