الحركة، فلما بلغ الأمراء ذلك وقفوا للسلطان وشكوا له من ذلك وعلى أن غالب البلاد خرب وأخلا منها الفلاحون، وأغلظوا الأمراء على السلطان فى القول، وقالوا له: نحن نسافر معكم وتخرب بلادنا فمن أين نأكل ونسدّ ديننا إذا سافرنا؟ فاستحى منهم السلطان وأمر بإبطال ذلك، وأخرج مراسيم شريفة إلى الكشّاف ومشايخ العربان بإبطال ما كان رسم به فى الأول وإعادة ما أخذ من الفلاحين بالنواحى، فخرجت المراسيم الشريفة إلى البلاد بمنع ذلك، ولو استمرّ على قوله الأول لخربت مصر عن آخرها ووقع بها الغلاء العظيم من خراب البلاد فلله الحمد على ذلك.
ومن الحوادث أن السلطان صادر ابنة الأمير خاير بك كاشف الغربية أحد الأمراء المقدّمين، وهى زوجة الأمير تانى بك الخازندار أحد الأمراء المقدّمين، وهى التى كان وقع لها ذلك الأمر الفاحش المقدّم ذكره، فلما صادرها قرّر عليها مالا ثقيلا (١) له صورة، فأرسل رسّم على جماعة من الطواشية، فلما تحققت ذلك شرعت فى بيع جهازها وجميع ما تملكه من صامت وناطق، وكان سبب ذلك أن لما توفى والدها الأمير خاير بك تكلموا الأعداء فى حقّها بأنها أخذت من موجود أبيها ثلاث قدور فيها مال جزيل له جرم، فأرسل خلفها، فلما حضرت بين يديه سألها عن ذلك فأنكرت وحلفت أنها ما رأت هذه القدور الذهب التى اتهموها بها (٢)، فحنق منها السلطان وقال لها:
أنسيتى ذنبك، يعنى عن أمر الصبى الذى وجدوه عندها، فحلف السلطان إن لم تحضر بالمال الذى أخذته من مال أبيها وإلا يغرقها وصمم على ذلك. فلما جرى ذلك شرعت فى بيع جهازها حتى ترد المال الذى قرر عليها، فصار فى كل يوم سبت وثلاثاء (٣) يحضر الزينى بركات بن موسى وجماعة من المباشرين ويبيعون (٤) قماشها مثل التركة. وقد وقع لها كما وقع لابنة يشبك الدوادار زوجة الأمير قانى باى أمير آخور كبير، وقد وقع لها مثل هذه الواقعة بعينها وصودرت وباعت جهازها وقماشها وجواريها مثل التركة وغلقت ما قرّر عليها من المال، وقد تقدم ذكر ذلك.