خيّرة قليلة الأذى، فلما أشيع موتها طلع الخليفة والقضاة الأربعة وسائر الأمراء وأعيان ما فى المباشرين، فصلّى عليها الخليفة عند باب الستارة، ونزلوا بها من سلّم المدرّج وهى فى بشخانة زركش، ونهبت الكفّارة من قدّامها قبل أن تنزل من القلعة، ومشى الخليفة والقضاة الأربعة وسائر الأمراء قدامها من القلعة إلى مدرسة السلطان التى فى الشرابشيين، فدفنت هناك على أولادها، ولم يدخلوا بها من باب زويلة بل دخلوا بها من خوخة أيدغمش، وكانت جنازتها حفلة وكثر عليها الأسف والحزن من الناس.
وفى يوم الخميس عشرينه وقف جماعة من أولاد الناس إلى السلطان بسبب النفقة، فلما وقفوا له ساعدهم الأمير علان الدوادار وبقية الأمراء فلم يرث (١) لهم السلطان، وقال لهم: أنا ما عندى نفقة، الذى ما له قدرة على السفر يردّ الأربعة شهور الذى أخذها وأنا أترك له شهر ويقعد يستريح وعنّى يقطع جامكيته. فردّ جماعة كثيرة من أولاد الناس الأربعة شهور التى (٢) أخذوها واستمرّ أمرهم مبنيّا على السكون. - وفى يوم الأربعاء ويوم الخميس نفق السلطان على العسكر بقيّة النفقة. - وفى يوم السبت ثالث عشرينه أكمل السلطان النفقة على العسكر قاطبة من قرانصة وجلبان ونادى لهم فى الحوش أن السفر أول الشهر، فاضطرب أحوال العسكر وارتجت القاهرة وعزّ وجود الخيل والبغال، وصارت المماليك [يهجمون الطواحين ويأخذون](٣) منها الخيول والبغال والأكاديش، فغلقت الطواحين قاطبة وامتنع الخبز من الأسواق وكذلك الدقيق، ووقع القحط بين الناس وضجّ العوام وكثر الدعاء على السلطان، وغلقت أسواق القماش من المماليك واختفى الصنايعية والخياطون (٤) واضطربت أحوال القاهرة، واختفى جماعة من التجار خوفا من المماليك، واختفى طائفة من الغلمان لأجل (٥) السفر، وصارت أحوال مصر مثل يوم القيامة كل واحد يقول: روحى روحى.
(١) فلم يرث: فلم يرثى. (٢) التى: الذى. (٣) يهجمون … ويأخذون: يهجموا … ويأخذوا. (٤) والخياطون: والخياطين. (٥) لأجل: من لأجل.