للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لا ينصبها إلا ثلاثمائة رجل (١) من النواتية، فنصبها بالحوش، ونصب الشربدارية (٢) فى الحوش أحواض جلد ممتلئة بالماء الحلو، وعلّقوا شوكات بالكيزان الفاخرة، وزينوا بالأوانى الصينى والطاسات النحاس، وأوسعوا فى زينة الشرابخاناه أكثر من كل سنة، ثم جلس السلطان فى الخيمة وحضر الأتابكى سودون العجمى وسائر الأمراء من المقدّمين وغيرها، وحضر القضاة الأربعة وأعيان الناس من المباشرين على العادة، ثم حضر قراء البلد قاطبة والوعاظ على العادة، ثم مدّ السلطان السماط الحافل وأوسع فى أمره، وكان ذلك اليوم مشهودا وأبهج مما تقدم من الموالد الماضية.

وفى ذلك اليوم توفى قاضى القضاة محيى الدين بن النقيب رحمة الله عليه، وهو محيى الدين عبد القادر بن على بن مصلح الشافعى، وكان يقرب للخواجا شمس الدين ابن قضا الجوهرى، وكان من أهل العلم والفضل لكنه كان بجاقى النفس وينسب إلى شحّ زائد، وله فى ذلك الأمر أخبار شنيعة لم نذكرها هنا لكنها شائعة بين الناس، ومات وقد ناف عن السبعين سنة من العمر وقارب الثمانين، وكان سبب موته أنه كان كثير المشى فى الأسواق بقبقاب سحك، فتوجه إلى خان الخليلى فرفسه فرس فوقع على فخذه فانكسر فحملوه إلى خلوته التى بالمدرسة المنصورية فأقام أياما ومات، وكان منفصلا عن القضاء، وقد ولى منصب القضاء ست مرات ونفذ منه فى هذه الست ولايات ستة وثلاثين ألف دينار، وكانت مدة إقامته فى هذه الست ولايات نحو سنتين، وكان قليل الحظ عند الناس قاطبة، وكان يسعى على القضاة المتولّييّن ولا يزال عليهم حتى يعزلهم ويتولّى منصب القضاء، فعزل به قاضى القضاة زين الدين زكريا وقاضى القضاة ابن أبى شريف وقاضى القضاة القلقشندي وقاضى القضاة كمال الدين الطويل وبدر الدين المكينى وعلاى الدين بن النقيب، وكان يسعى عليهم بجملة مال ولا يقيم فى منصب القضاء غير أشهر ويعزل، فنفذ منه هذه الأموال الجزيلة ولم يمكث فى كل ولاية غير أشهر ويعزل، وقد قلت


(١) ثلاثمائة رجل: ثلثماية رجلا.
(٢) الشربدارية: الشربدرايه.