فلم يلتفت إلى النقول فى ذلك وقال: أنا ما أنا ولىّ الأمر ولى النظر العام فى ذلك، فقال له ابن أبى شريف: نعم ولكن بموافقة الشرع الشريف وإن قتلتهما تلزمك ديتين عنهما، فحنق منه وكاد أن يبطش به فى المجلس، ثم التفت إلى الشيخ زكريا وقال له: إيش قلت أنت فى هذه المسألة، قال: له الرجوع بعد الاعتراف وإذا رجع سقط عنه الحدّ، فقال له السلطان: هذا يبقى فى ذمتك، فقال الشيخ زكريّا:
إيش كنت أنا هذا فى ذمّة الإمام الشافعى صاحب المذهب، فذكر على أن السلطان قال له: أنت دهلت ما بقى لك عقل، ثم التفت إلى قضاة القضاة ووبّخهم بالكلام وقال: إنتوا الأربعة قوموا لا ترونى وجوهكم قط، فقاموا من ذلك المجلس وهم يتعثرون فى أذيالهم، وكان لهم يوم مهول، فانفصل المجلس مانعا وحصل فيه كل سوء من مقت السلطان لهم، ثم إن السلطان عزل الشيخ برهان الدين بن أبى شريف من مشيخة مدرسته وأشيع بنفيه إلى القدس، وعزل محيى الدين يحيى بن الدميرى من قضاء المالكية ومن خطابة جامعه، واشتدّ غضبه على قاضى القضاة عبد البر بن الشحنة وكاد أن يبطش به، وكان عنده من المقدمين الأخصّاء، وكان يبات عنده ثلاث ليالى فى الجمعة وكان من ندمائه، ويسافر معه إذا شوّط، وصار بيده الحلّ والعقد فى أمور السلطنة، فأقلب عليه كأنه لم يعرفه قط وكان بمنزلة جعفر البرمكى من هرون الرشيد، الحمد لله. - ومما وقع فى ذلك العقد المجلس بحضرة السلطان أن الشيخ نور الدين على المحلّى قال للسلطان: يا مولانا السلطان إن الذى صدر من مشايخ الإسلام بصحّة الرجوع فهو الحقّ وهو نصّ ما نقله الإمام الشافعى وغيره من العلماء ﵃ أجمعين بعد القرار فى أمر الزنا فلا عبرة بإقراره فى ذلك، فقال له السلطان: إن شاء الله تطلع إلى بيتك فتجد من يفعل فى زوجتك الفاحشة كما فعل المشالى فى زوجة خليل، فقال له الشيخ نور الدين المحلى: عافانا الله من ذلك، فشقّ كلامه على السلطان فى الباطن، وانفضّ ذلك المجلس من غير طائل، وحصل للعلماء فى ذلك المجلس غاية البهدلة ولا سيما ما حصل للشيخ برهان الدين بن أبى شريف وأمره مشهور، فكان كما يقال فى المعنى: