للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الأمراء عن ذلك وقالوا له: ما هى عادة أن السلطان إذا خرج إلى المطرية تحمل على رأسه القبّة والطير، فرجع عن ذلك، ثم إن السلطان دخل من باب النصر وشقّ من القاهرة فى موكب حافل، ولاقته طائفة اليهود والنصارى وبأيديهم الشموع موقدة، وسارت قدّامه أرباب الوظائف من المباشرين وهم متوشحون بالحرير الأصفر، وكذلك نقيب الجيش والوالى وأعيان الخدّام وولد السلطان، ومشت قدّامه الرؤوس النوب بالعصى من باب النصر إلى القلعة، ثم سحبت قدّامه الجنائب بالكنابيش الزركش ومشى قدامه الأوزان والشبابة السلطانية والنفير البرغشى والمجامع السلطانية بالغشاء الحرير الأصفر، ولم تلبس الأمراء ولا أحد من العسكر فى هذا الموكب الشاش والقماش، ولم يستطع السلطان لبس التخفيفة الكبيرة من العارض الذى فى عينه بل كان فى هذا الموكب بتخفيفة صغيرة مكسّى (١) وسلارى بعلبكى أبيض، ومشى قدّامه غالب الخاصكية من باب النصر إلى القلعة، فكان له يوم مشهود، واصطفّت له الناس على الدكاكين بسبب الفرجة عليه، وتركّزت له الطبول والزمور فى عدّة أماكن من القاهرة، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وكانت القاهرة مزيّنة زينة حافلة منذ سبعة أيام، وأوقدوا له الشموع والقناديل فى الأحمال بالنهار على الدكاكين، وأطلقوا له البخور فى المحامر، فاستمر السلطان فى هذا الموكب الحافل على ما ذكرناه حتى طلع إلى القلعة، وقد قلت فى هذه الواقعة أبيات مواليا وهى هذه:

سلطاننا لو محاسن فيه موصوفه … ولو مواكب لها أوقات معروفه

مذخفّ عنّو الرّمد بألطاف محفوفه … أوكب لها أوقات مصر مصفوفه

ولما شقّ السلطان من القاهرة ارتفعت له الأصوات بالدعاء، وقالوا له جماعة من العوام: ابطل عنا أمر المجامعة والمشاهرة التى على الحسبة، فلم يلتفت إلى كلامهم وتغافل عن ذلك. - ومن الحوادث فى ذلك اليوم أن امرأة خرجت تتفرج على السلطان وكانت حامل، فجاءتها ضربة على بطنها فنزل الولد من بطنها فى الحال


(١) مكسى: كذا فى الأصل، ويعنى أنها ذات كساء.