للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لأجل العلامة على المراسيم والمحاكمات، فلم يتمّ تلك الإشاعة التى أشيعت بين الناس بذلك، ومما بلغنى من بعض أخصاء السلطان أنه لما تزايد به هذا العارض فى عينيه واضطربت به الأحوال، فكان يقف فى شباك قبة الأشرفيّة بطول الليل ويتضرّع إلى الله تعالى ويقول: يا من لا يوصف بالظلم والجورى، ارحم عبدك قانصوه الغورى، ثم يقول: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين، وكان يكثر من قول: يا بصير يا بصير، وقد خشى مما شاعت به أعداؤه، ونسى ما قدّمت يداه، وقد قلت فى معنى ما وقع له:

سلطاننا الغورى غارت عينه … لما اشترى ظلم العباد بدينه

لا زال ينظر أخذ أرزاق الورى … حتى أصيب بآفة فى عينه

وفيه شاوروا السلطان على إعادة الدكك التى على أبواب الحكام فلم يوافق على إعادتها، وقال: أنا تركت ما كان على الحسبة من المجامعة والمشاهرة وكانت بنحو ثلاثين ألف دينار فى كلّ سنة فكيف ما تبطل الأمراء ما كان يحصل لهم من أمر الدكك، وكان الطعن قد أخذ فى التناقص قليلا. - وفى يوم الاثنين سادس عشره نفق السلطان الجامكيّة على العسكر. - وفى ذلك اليوم طلع ابن أبى الرداد ببشارة النيل، وجاء القاع ستة أذرع وستة عشر أصبعا، فلما نفق السلطان الجامكية لم يحضر تفرقة الجامكيّة إلى آخرها، وكان ذلك اليوم فى غاية التشويش من عينه. - وفيه توفى شخص كان من العوانية الخوارج، يقال له محمّد بن طاهر، يرافع الناس عند السلطان، فلما وقع الطاعون بمصر طعن ابن طاهر هذا ومات بالطعن، فأراح الله تعالى المسلمين منه، فعدّ موته من حسن الزمان (١)، ومما وقع له فى المرافعة أنه رافع امرأة جارية بيضاء يقال لها زوجة أينال باى، وكانت ساكنة فى درب الحجر بالقرب من قنطرة سنقر، فرافعها بأن عندها مالا وديعة لبعض الأمراء فطمعت عليه، فلما سمع السلطان ذلك أرسل قبض على تلك الامرأة ورسم عليها عشرة آلاف دينار، فباعت جميع ما تملكه وأوردت من ذلك


(١) من حسن الزمان: من سن الزمان.