وكان أوَّل مَنْ عرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فلمَّا عرفوه نهضوا ونهض معهم نحو الشِّعْب، معه أبو بكر وعمر وعلي ورهط من المسلمين، فلمَّا أسند
أن تسيغها، فلفظتها وأعطته ثوبها وحليها, ووعدته عشرة دنانير بمكة، انتهى. وعند ابن إسحاق: إن سيد الأحابيش الحليس مَرَّ بأبي سفيان وهو يضرب بزجّ الرمح في شدق حمزة ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بني كنانة, هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحمًا، فقال: ويحك اكتمها عني، فإنها كانت زلة. وفي العيون: كان خارجة بن زيد بن أبي زهير أخذته الرماح يوم أحد، فجُرِحَ بضعة عشر جرحًا، فمَرَّ به صفوان بن أمية فعرفه، فأجهز عليه، ومثَّلَ به, وقال: هذا ممن أغرى بأبي يوم بدر. "وكان أوَّل" بالفتح خبر مقدّم، والضم اسم، وهو أَوْلَى؛ لأن المبتدأ والخبر إذا عُرِفَا قُدِّمَ المبتدأ، ولأنَّ الذي يقصد بيانه وتعيينه هو الخبر، قرره شيخنا "مَنْ عرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم" بعد التحدث بقتله وخفائه عن أعينهم، "كعب بن مالك" بن عمرو، الخزرجي السلمي العقبي، أحد الثلاثة الذي تيبَ عليهم في تخلفهم عن تبوك. روى له الستة، وأحمد في المسند, "قال: عرفت عينيه تزهران،" أي: تضيئان، ومن رواه تزران، فمعناه تتوقدان، قاله أبو ذر في الإملاء. وفي الصحاح: زرت عينه تزر -بالكسر- زريرًا، وعيناه تزران إذا توقدتا، "من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين" أبشروا، كما في رواية ابن إسحاق، "هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم", زاد في رواية ابن إسحاق: فأشار لي -صلى الله عليه وسلم- أن أنصت. وروى الطبراني برجال ثقات عن كعب: كان يوم أحد، وصرنا إلى الشِّعب، كنت أول من عرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فقلت: هذا رسول الله، فأشار إلي بيده أن اسكت، ثم ألبسني لامته ولبس لامتي، فلقد ضربت حتَّى جرحت عشرين جراحة، أو قال: بضعًا وعشرين، كل من يضربني يحسبني رسول الله -صلى الله عليه وسلم, "فلمَّا" سمعوا ذلك، وأقبلوا عليه، و"عرفوه نهضوا" أي: أسرعوا إليه، حتى أتوه، "ونهض معهم نحو الشِّعْب"؛ لينظر حال الناس, "معه أبو بكر، وعمر وعلي ورهط من المسلمين". قال ابن عقبة: بايعوه على الموت، انتهى. منهم طلحة، والزبير، والحارث بن الصمة، كما في ابن إسحاق وغيره. قال شيخنا: وظاهره أنهم لم يكونوا ممن نهض إليه، ولا مانع منه لجواز أن كعبًا حين نادى سمعه طائفة لم يكونوا عنده فأقبلوا, وكان عند أبو بكر ومن معه فساروا معه، "فلمَّا أسند،"