للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي حديث أبي ذر عند النسائي مرفوعًا: "إن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج, فوجًا راكبين طاعمين كاسين، وفوجًا تسحبهم الملائكة على وجوههم، وفوجًا يمشون ويسعون".


"وفي حديث أبي ذر عند النسائي" وأحمد والحاكم والبيهقي "مرفوعا" قال: حدثني الصادق المصدق -صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الناس يحشرون" أسقط من الحديث يوم القيامة "على ثلاثة أفواج, فوجًا" كذا في النسخ بالنصب, والذي في شرحه للبخاري والبدور السافرة فوج بالخفض بدل من ثلاثة المجرور بعلى, وهي ثابتة في الحديث, وفي أصل نسخ المواهب، ولما رآها الجهال فوجًا بالنصب تجاسروا وضربوا على لفظ على, مع أنه لو روي بالنصب لكان بتقدير: أعنى, ولا داعية لشطب على, "راكبين طاعمين كاسين" وهم الأبرار, "وفوجا" بالخفض على الصواب، وإن كان في النسخ "فوجًا", "تسحبهم الملائكة على وجوههم" وهم الكفار "وفوجًا" صوابه وفوج, "يمشون ويسعون" وهم المؤمنون العاصون.
والرواية كما في شرحه للبخاري والبدور بتقديم قوله: وفوج يمشون, على قوله: وفوج تسحبهم..... إلخ.
قال المصنف في بقية الحديث أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال -صلى الله عليه وسلم: يلقي الله الآفة على الظهر حتى لا تبقى ذات ظهر, حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات الفتب، أي: يشتري الناقة المسنة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم؛ لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه, وعزة الظهر الذي وصله إلى مقصوده, وهذا لائق بأحوال الدنيا، لكن استشكل قوله فيه يوم القيامة، وأجيب بأنه مئول على أنَّ المراد به: أنَّ يوم القيامة يعقب ذلك, فيكون من مجاز المجاورة، ويتعيّن ذلك لما وقع فيه أن الظهر يقل.... إلخ.
فإنه ظاهر جدًّا في أنه من أحوال الدنيا لا بعد البعث, ومن أين للذين يبعثون حفاة عراة حدائق يدفعونها في الشوارف، ومال الحليمي وغيره إلى أنَّ هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالي والتوربشتي, وقرره بما يطول ذكره. انتهى كلام المصنف, وعلى ما جزموا به يئول في قوله: "يلقي الله الآفة" , بأن المراد يعدمها يوم القيامة فلا يجدون ظهرًا، وأما قوله: "حتى أن الرجل".......... إلخ.
فمعناه يود لو كانت له حديقة فيعطي.... إلخ على نحو قوله تعالى: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ} [المعارج: ١١] ، وغير ذلك, وليس التجوز في هذا بأبعد من التجوز في صرف يوم القيامة عن ظاهره، فإن بين النفختين أربعين سنة, ولا يذهبون إلى الحشر قبل النفخة الأولى، بل إذا وقعت مات كل حي مكانه، ثم إذا نفخ فيه الثانية قاموا من قبورهم ذاهبين إلى محل الحشر، وأي

<<  <  ج: ص:  >  >>