للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا" رواه الشيخان.

وقد مال الحليمي إلى أنَّ هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالي، وقيل: إنهم يخرجون من القبور بالوصف المذكور في حديث ابن عباس عند الشيخين: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا ثم قرأ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} " ثم يفترق حالهم من


من الإبل التي تحيا وتحشر يوم القيامة, وهذا أشبه؛ لأنهم بين الرجاء والخوف, فلم يلق أن يردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، قال: ويشبه أيضًا تخصيص هؤلاء بمن تغفر لهم ذنوبهم عند الحساب ولا يعذبون, أمَّا المعذَّبون بذنوبهم فيكونون مشاة على أقدام نقلة في البدور, "وتحشر بقيتهم النار" لعجزهم عن تحصيل ما يركبونه, وهم الفرقة الثالثة، والمراد بالنار هنا: نار الدنيا لا نار الآخرة، فلمسلم في حديث ذكر فيه الآيات الكائنة قبل قيام الساعة كطلوع الشمس من مغربها، ففيه: وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس، وفي رواية له: تطرد الناس إلى حشرهم، قال المصنف: وقيل: المراد نار الفتنة, وليس المراد نار الآخرة، قال الطيبي: لأنه جعل النار هي الحاشرة, ولو أريد نار الآخرة لقال إلى النار، ولقوله: "تقيل" من القيلولة "معهم حيث قالوا, وتبيت" من البيتوتة "معهم حيث باتوا, وتصبح معهم حيث أصبحوا, وتمسي معهم حيث أمسوا" فإنها جملة مستأنفة بيان للكلام السابق، فإن الضمير في تقيل راجع إلى النار الحاشرة, وهو من الاستعارة، فيدل على أنها ليست النار الحقيقية, بل نار الفتنة كما قال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه} [المائدة: ٦٤] انتهى. ولا يمتنع إطلاق النار على الحقيقة, وهي التي تخرج من قعر عدن, وعلى المجازية وهي الفتنة؛ إذ لا تنافي بينهما.
"رواه الشيخان" باعتبار أصله, وإن اختلفا في بعض ألفاظه، ولذا نسبه أولًا للبخاري، فلو قال أولًا: فعن أبي هريرة، ثم قال هنا: رواه الشيخان, واللفظ للبخاري لكان أحسن.
"وقد مال الحليمي إلى أنَّ هذا الحشر" المذكور في حديث أبي هريرة, "يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالي وقيل" وإليه أشار الخطابي, "أنهم يخرجون في القبور بالوصف المذكور في حديث ابن عباس عند الشيخين" الذي قصر المصنف آنفًا في عزوه للبخاري وحده، "أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال" وفي رواية عن ابن عباس: قام فينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب، فقال: "إنكم تحشرون" بضم الفوقية- مبني للمفعول، وفي رواية: محشورون -بفتح الميم- اسم مفعول، وفي رواية عن ابن عباس: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب على المنبر، يقول: "إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلًا" بضم المعجمة وإسكان الراء- جمع أغرل، أي: أقلف، زاد في رواية للشيخين: مشاة, "ثم قرأ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} .

<<  <  ج: ص:  >  >>