وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه، وصحح الدارقطني أن أبا سلمة سعيد بن يزيد سأل أنسا: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} أو بـ {بِسْمِ اللَّهِ} ؟ فقال: لا أحفظ فيه شيئا. قال وهذا مما يتأيد به خطأ النافي.
لا دليل في اللفظ عليه، بل الظاهر أنه سأله عن كيفية قراءته للقرآن من حيث هي، لا بقيد افتتاح الصلاة، وسأله أيضا عما كان يفتتح به الصلاة كما هو مدلول الحديثين، وإن أحدهما ليس مرتبا على الأول، ولو سلمنا ذلك فغايته التشبث بالاحتمال، فلا يفيد الدعوى أنها آية من الفاتحة تجب في الصلاة، "وكأنه" أي: أبا شامة "لم ير إبهام السائل مانعا من تعيينه بقتادة، خصوصا وهو السائل أولا" عن حديث الافتتاح، وهذا مما يتعجب منه من مثل السخاوي، ثم من المصنف في إقراره، فإنه يعطي أن السائل المبهم لم يبين مع أنه مبين في رواية قبل هذه بلصقها في البخاري، بأنه قتادة كما مر، وليس هذا مراد أبي شامة، إنما مراده ترتب السؤال الثاني على الأول توصلا إلى مراده من إثبات الابتداء بالبسملة. "وقد أخرج ابن زيمة" محمد بن إسحاق "في صحيحه، وصحح الدارقطني" أيضا "أن أبا مسلمة"، "بفتح الميم" سعيد "بكسر العين"، "بن يزيد"، "بتحتية قبل الزاي" ابن مسلمة الأزدي، البصري القصير، ثقة، من رجال الجميع، سأل أنسا: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} أو بـ {بِسْمِ اللَّهِ} ؟ فقال: لا أحفظ فيه شيئا، قال: وهذا مما يتأيد به خطأ النافي", لكن في فتح الباري، وأما من قدح في صحته، بأن أبا مسلمة سعيد بن يزيد سأل أنسا عن هذه المسألة، فقال: إنك لتسألني عن شيء لا أحفظه ولا سألني عنه أحد قبلك، ودعوى أبي شامة أن أنسا سأل عن ذلك سؤالين، فسؤال أبي مسلمة: هل كان الافتتاح بالبسملة أو الحمد؟ وسؤال قتادة: هل كان يبدأ بالفاتحة أو غيرها؟ قال: ويدل عليه قول قتادة في مسلم: نحن سألناه. فليس بجيد، لأن أحمد روى بإسناد الصحيحين أن سؤال قتادة نظير سؤال أبي مسلمة، والذي في مسلم، إنما قاله عقب رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة ولم يبين صورة المسألة، وقد بينها أبو يعلى والسراج وعبد الله بن أحمد في روايتهم عن الطيالسي، عن شعبة، أن السؤال كان عن افتتاح القراءة بالبسملة، وأصرح من ذلك رواية ابن المنذر، عن أبي جابر، عن شعبة، عن قتادة: سألت أنسا: أيقرأ الرجل في الصلاة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ؟ فقال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، فظهر اتحاد سؤال أبي مسلمة وقتادة، وغايته أن أنسا أجاب قتادة بالحكم دون أبي مسلمة، فلعله تذكره لما سأله قتادة بدليل قوله في رواية أبي مسلمة: ما سألني عنه أحد قبلك، أو قاله لهما معا، فحفظه قتادة