للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

"النوع الأول:" "في طبه صلى الله عليه وسلم بالأدوية الإلهية"

اعلم أن الله تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن، فهو للداء شفاء، ولصدأ القلوب جلاء، كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: ٨٢] .

ولفظه "من" -كما قال الإمام فخر الدين- ليست للتبعيض بل للجنس، والمعنى، وننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن شفاء من الأمراض الروحانية وشفاء أيضًا من الأمراض الجسمانية.

أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر وذلك المرض الروحاني نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، وأشدها فسادًا الاعتقادات الفاسدة في


"النوع الأول:" "في طبه صلى الله عليه وسلم بالأدوية الإلهية"
"اعلم أن الله تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم" أي أشمل، "ولا أنفع، ولا أعظم، ولا أنجع" أي أشد تأثيرًا "في إزالة الداء من القرآن، فهو للداء شفاء، ولصدأ".
"بالهمز والقصر" وسخ "القلوب" أي ما يعلوها من ظلمة الذنوب، فإطلاق الصدأ عليه مجاز، "جلاء" "بكسر الجيم والمد" كشف لها، وعبر في الأول بشفاء، وفي الثاني بجلاء، تنبيهًا على أن الثاني ليس داء قائمًا بالعضو، لكنه لتغطيته للقلب، بحيث يمنع من وصول ما ينفع من حلول الحق فيه، طلب جلاؤه منه لينتفع بما يصل إليه من المواعظ والأحكام، واقتصر في قوله الآتي: الذي هو القرآن شفاء من الأمراض على الشفاء، إشارة إلى أن الصدأ كالداء الذي يقوم بالعضو، فزواله شفاء، "كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: ٨٢] ، استدلال على قوله، فهو للداء شفاء؛ وأما دلالته على كونه أعظم، فلعله من قرينة خارجية، أو من التنوين في شفاء المفيد للتعظيم، مع دعوى أنه لا أعظم منه، واستفادة الأمرين، أعني شفاء، وجلاء من قوله شفاء وقوله: ورحمة للمؤمنين زيادة على مدعاه، "ولفظة من، كما قال الإمام فخر الدين" الرازي: "ليست للتبعيض" لئلا يكون بعضه ليس شفاء، مع أنه كله شفاء؛ "بل للجنس، والمعنى: وننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن" كأنه لوحظ أن المراد بالقرآن معناه اللغوي، الشامل لكل منزل، كالتوراة والإنجيل والزبور، وللذكر، وأن القرآن بالمعنى الشرعي نوع من هذا الجنس ضرورة؛ أن المنزلة على المصطفى نوع من الجنس.
وقال البيضاوي: من للبيان، فإنه كله كذلك، وقيل: للتبعيض، والمعنى.
أن منه ما يشفي المرض، كالفاتحة وآيات الشفاء. انتهى.
ولا يخفى أن البيان يستدعي مبينًا اسم مفعول، وهو قوله: ما هو شفاء، وقدم عليه البيان اهتمامًا بشأنه وتعظيمًا له، "شفاء من الأمراض الروحانية" وهي ما لا تؤثر ظاهرًا في الجسم، سمي روحانيًّا لتعلقه بالروح الذي هو قوام البدن، فإطلاق المرض عليه مجاز، نحو: في قلوبهم مرض، "وشفاء أيضًا من المراض الجسمانية" "بكسر الجيم" التي تظهر في الجسم.
"أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية، فظاهر، وذلك المرض الروحاني نوعان" النوع الأول: "الاعتقادات الباطلة، و" النوع الثاني: "الأخلاق المذمومة" كما يأتي، "وأشدها

<<  <  ج: ص:  >  >>