فقالوا: نقول إنه كاهن، قال: والله ما هو بكاهن, ما هو بزمزمته ولا سجعه، قالوا: مجنون. قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله. رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول: قال: فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلّا وأنا أعرف أنه باطل،.............
أكدب وكذب، "بعضكم بعضًا" إذا اختلفتم، قالوا: فأنت أقم لنا رأيًا نقوله فيه، قال: بل أنتم، فقولوا أسمع, "فقالوا: نقول إنه كاهن" يخبر عن المغيبات، ويدَّعي معرفة الأسرار، وكانوا في العرب كثيرًا، كشق وسطيح، وكان لهم كلام مشجع, فمنهم من له جني يخبره بالأخبار، ومنهم من يدَّعي معرفة ذلك بأسباب وأمور يأخذها من كلام سائله وفعله وحاله، ويقال له: عرَّاف، "قال: والله ما هو بكاهن", لقد رأينا الكهَّان، "ما هو بزمزمته" أي: صوته الذي لا يفهم، كصوت الرعد، وذلك أصوات الكهنة، "ولا سجعه" الذي يسجعه وقت كهانته، "قالوا: مجنون" اختلَّ عقله، فاختل كلامه وفعله" قال:" والله "ما هو بمجنون" لقد رأينا المجنون وعرفناه، ولا" هو "بخنقه" بفتح النون، وكسرها، وإسكانها ثلاث لغات، ذكره المصنف، "ولا بوسوسته" بفتح الواو: مصدر شيء يلقى في القلب وفي السمت بصوت خفي يحدث به المرء نفسه, ولذا سمي حديث النفس، أي: لا يشبه حاله، "قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو بشاعر, قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه" بفتح الهاء والزاي والجيم: أحد بحور الشعر، لكن المنقول أن أسماءها منقولات للخليل بن أحمد، فهي منقولة من الهزج نوع مطرب من الأغاني، ولو قيل: إنه اسم لضرب من الشعر كانت العرب تتغنى به كان أقرب وانسب بقوله: "وقريضه"؛ لأنه ليس اسم بحر من بحور العروض، وهو لغة الشعر مطلقًا من قرض بمعنى قطع, أي: مطولات قصائده المقابلة لما قبله فيتناول الطويل والبسيط وغيرهما، ومقبوضه" مختصرًا وزانه المسمَّى في العروض بالمنهوك والمجزور, وتكلف من فسَّر مبسوطه ببحر البسيط، وإن زيادة الميم لمشاكلة مقبوضة، "ما هو بشاعر" أعاده تأكيدًا، "قالوا: فنقول ساحر، قال: وما هو بساحر", لقد رأينا السحار وسحرهم, فما هو بساحر، "ولا نفثه ولا عقده" بفتح فسكون أو بضم ففتح: جمع عقدة التي يعقدها في الخيط ينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق أو معه، "قالوا: فما نقول" بالنون نحن، أو الفوقية: أي: أنت "قال:" والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناه، فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلا وأنا أعرف أنه باطل، ليس بمقبول عندي ولا عند أحد من العقلاء الذين يعرفونه, وقدَّم الضمير لتقوية الحكم؛ لأنه يقدم لذلك أو