للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صارخًا بهم على رءوس الأشهاد "فلم يستطع أحد منهم الإلمام به مع توفر الدواعي وتظاهر الاجتهاد، فقال -وكان بما ألقى عليهم خبيرًا: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: ٨٨] فرضيت هممهم السرية وأنفسهم الشريفة الأبية بسفك الدماء وهتك الحرم.

وقد ورد من الأخبار في قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض ما نزل عليه على المشركين الذين


على ذلك "صارخًا بهم" صائحًا عليهم بعجزهم عن ذلك، "على رءوس الأشهاد، فلم يستطع أحد منهم الإلمام به" أي: القرب منه، "مع توفّر الدواعي، وتظاهر الاجتهاد" وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب والتكذيب والافتراء، يقولون: إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر، وإفك افتراه، وأساطير الأولين، والمباهتة، والرضا بالدنية كقولهم: قلوبنا غلف, وفي أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، أي: صمم، ومن بيننا وبينك حجاب، ولا تسمعوا لهذا القرءان، والغوا فيه لعلكم تغلبون، والادعاء مع العجز، لو نشاء لقلنا مثل هذا، وهذه وقاحة لفرط عنادهم ومكابرة، فلو استطاعوه ما منعهم أن يشاءوا، وقد تحدَّاهم وقرعهم بالعجز بضعًا وعشرين سنة، ثم قارعهم بالسيوف، فلم يقدروا مع استنكافهم أن يغلبوا خصوصًا في الفصاحة.
"فقال:" أي: أيضًا إذا ما قبله في: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} الآية، {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} ، وكان بما ألقى عليهم خبيرًا, {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} في الفصاحة والبلاغة، {لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} جواب لقدر، ولذا لم يجزم {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} معينًا، نزل ردًّا لقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، قال بعضهم: التحدي إنما وقع للإنس دون الجن؛ لأنهم ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه، وإنما ذكروا في هذه الآية تعظيمًا لإعجازه؛ لأن للهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للأفراد، وإذا فرض اجتماع الثقلين فيه وظاهر بعضهم بعضًا، وعجزوا عن المعارضة، كان الفريق الواحد أعجز، وقال غيره: بل وقع للجن أيضًا، والملائكة منويّون في الآية؛ لأنهم لا يقدرون أيضًا على الإتيان بمثله.
وقال الكرماني في غرائب التفسير: إنما اقتصر على الإنسان والجن؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- مبعوث إلى الثقلين دون الملائكة، ذكره في الإتقان، "فرضيت هممهم السرية،" الشريفة، "وأنفسهم الشريفة الأبية" الممتنعة "بسفك الدماء وهتك الحرم،" عجزًا عن الإتيان بمثله، وعنادًا بعدم الإيمان.
"وقد ورد من الأخبار في قراءة النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ما نزل على المشركين الذين

<<  <  ج: ص:  >  >>