فدلَّ على أن العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته وصحة نبوته, وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح.
وقال أبو سليمان الخطابي: وقد كان -صلى الله عليه وسلم- من عقلاء الرجال عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق، وقد قطع القول فيما أخبر به عن ربه تعالى, بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا}[البقرة: ٢٤] فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علَّام الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يكون. انتهى.
وهذا من أحسن ما يكون في هذا المجال وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة، وبالتقصير عن بلوغ الغرض في المناقضة،..........
بلاغتهم وفصاحتهم، "فدلَّ على أنَّ العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته وصحة نبوته، وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح، وهو باقٍ دون غيره من المعجزات: ومنه تستنبط الأحكام الشرعية والعلوم العقلية، ولم تستنبط من معجز سواه، ولذا قيل: معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلّا من حضرها، ومعجزة القرآن باقية إلى يوم القيامة. "وقال أبو سليمان الخطابي" نسبة إلى جده؛ إذ هو حمد -بفتح المهملة، وإسكان الميم ومهملة- ابن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، الحافظ الفقيه المشهور: "وقد كان -صلى الله عليه وسلم- من عقلاء الرجال، عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق" تعليل مقدَّم لقوله: "وقد قطع القول" أي: إنه لكمال عقله لم يرتّب "فيما أخبر به عن ربه تعالى، بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به، فقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} ما ذكر لعجزكم، {وَلَنْ تَفْعَلُوا} ذلك أبدًا لظهور إعجازه، ولم يقل: ولن تأتوا بسورة من مثله، لما فيه من الكناية والإيجاز، "فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علّام الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلّا" صوابه إسقاطه؛ إذ جواب لولا قوله: "لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يكون" يوجد, ولا يصح أن جواب لولا محذوف، أي: لم يقطع القول؛ لأنه يناكده ما بعد وإلّا، "انتهى". "وهذا من أحسن ما يكون في هذا المجال -بالجيم- وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة" حيث قال: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} ، فنفى قدرتهم في المستقبل, فلو قدروا لحميتهم فعلوا، "وبالتقصير" منهم "عن بلوغ الغرض لهم في المناقضة", هي لغة التكلم بما يتناقض معناه، والمعنى: إنه أخبر بعجزهم قبل ظهور المناقضة منهم في أقوالهم الدالة