فمن ذلك: ما وجد في التوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى المنزلة من ذكره ونعته، وخروجه بأرض العرب، وما خرج بين يدي أيام مولده ومبعثه من الأمور الغريبة العجيبة القادحة في سلطان الكفر، الموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب المنوهة بذكرهم، كقصة الفيل، وما أحلّ الله بأصحابه العقوبة والنكال، وخمود نار فارس, وسقوط شرفات إيوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساوه، ورؤيا المؤبذان،...........................
الثالث: ما لم يشتهر، ولا انتشر واختص به الواحد والاثنان، ورواه العدد اليسير، ولم يشتهر اشتهار غيره، لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى المقصود به الإعجاز، واتفقا على الإتيان بالمعجز، كما قدمناه أنه لا مرية في جريان معانيها على يديه، وإذا انضمَّ بعضها إلى بعض أفادت القطع، انتهى ملخصًا، "فمن ذلك ما وجد في التوراة والإنجيل، وسائر" باقي "كتب الله تعالى، المنزلة من ذكره ونعته" وصفة بالصفات المميزة له، حتى كأنهم شاهدوا أن الذي ذكر اسمه "وخروجه بأرض العرب وما خرج بين يدي ايام مولده" أي: أمامه بقربه، "ومبعثه من الأمور الغريبة، العجيبة، القادحة في سلطان الكفر" وحججه وبرهانه، أي: الشبه الباطلة التي يقيمها أهله على صحته زاعمين حقيتها عَبَّر عنها بالحجج، نظرًا لزعمهم "الموهنة لكلمتهم" أي: كلمة أهل الكفر، أي: أقاويلهم الباطلة التي رفعوها، عَبَّر عنها بكلمة؛ لأنهم لما اتفقوا كانت كأنها واحدة، "المؤيدة لشأن العرب، المنوّهة بذكرهم، كقصة الفيل وما أحلَّ الله بأصحابه من العقوبة والنكال" كما مَرَّ بسطه, "وخمود نار فارس" التي كانوا يعبدونها، وكان لها ألف عام لم تخمد، "وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفات" -بضم الشين، وإسكان الراء، وفتحها وضمها- جمع شرفة تحقيرًا لها، أو لأن جمع القلة قد يقع موضع جمع الكثرة، "إيوان" كديوان ويقال فيه أوان بوزن كتاب، بناء أزج غير مسدود الوجه، "كسرى" بكسر الكاف وفتحها: ملك الفرس، وكانت شرفات إيوانه اثنتين وعشرين، "وغيض ماء بحيرة" تصغير بحرة لا بحر؛ لأن تصغيره بحير، "ساوه" -بمهملة فألف، فواو مفتوحة، فهاء ساكنة- مدينة بين الري وهمذان، وبحيرتها متسعة جدًّا، كانت أكثر من ستة فراسخ يركب فيها السفن، ويسافر فيها إلى ما حولها من البلاد والمدن، فأصبحت ليلة المولد ناشفة؛ كأن لم يكن بها شيء من الماء، ورؤيا الموبذان" بضم الميم، وسكون الواو، وفتح الموحدة، كما قال ابن الأثير وغيره. وحكى ابن ناصر كسرها أيضًا، وبذال معجمة: اسم لحاكم المجوس، كقاضي القضاة للمسلمين, رأى ليلة مولده -صلى الله عليه وسلم- إبلًا صعابًا تقود خيلًا عرابًا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، فقال له كسرى: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون من ناحية العرب،