تنبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يومًا أن تجاب فترزقا
وقوله -عليه الصلاة والسلام:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل, وعدّ نفسك من أهل القبور"
الأرض"، وضعَّفه البيهقي وغيره، "والمراد: الزرع"، كما قاله عروة بن الزبير وغيره، وقيل: المراد استخراج الجواهر والمعادن من الأرض، "وأنشدوا" استشهادًا على أن المراد الزرع. قال السخاوي: قال عروة بن الزبير: عليكم بالزرع، وكان يتمثّل بهذه الأبيات: لعل الذي أعطى العزيز بقدرة ... وذا حسب أعطى وقد كان زردقا سيؤتيك ماء واسعًا ذا قرارة ... إذا ما مياه الناس غاضت تدفقا تنبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يومًا أن تجاب فترزقا "وقوله -عليه الصلاة والسلام: "كن في الدنيا كأنك غريب"، قدم بلدًا لا مسكن له فيها يأويه، ولا سكن يسكنه، خالٍ من الأهل والعيال، والعلائق التي هي سبب الاشتغال عن الخالق، "أو عابر سبيل". قال الطيبي: ليست أو للشك للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى بل، فشبَّه الناسك السالك بالغريب الذي لا مسكن له يأويه، ثم ترقى، وأضرب عنه إلى عابر السبيل؛ لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر البيل القاصد لبلد شائع، وبينهما أودية مردوية، ومفاوز مهلكة، وقطاع طريق، فإن من شأنه أن لا يقيم لحظة، ولا يسكن لمحة، ومن ثَمَّ عقبة بقوله: "وعد نفسك من أهل القبور"، أي: استمرّ سائرًا ولا تفتر، فإنك إن فترت انقطعت وهلكت في تلك الأودية. وقال ابن بطال: لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم؛ إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه يتأنس به، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل، لا ينفذ في سفره إلّا بقوة عليه، وتخفيفه من الأثقال، غير متشبث بما يمنعه من قطعه سفره, معه زاده وراحلته يبلغانه إلى بغيته, من قصده شبهه بهما، وفيه إشارة إلى الزهد في الدنيا, وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا أكثر مما يبلغه المحل. وقال غيره: هذا الحديث أصل في الحث على الفراغ عن الدنيا، والزهد فيها، والاحتقار لها، والقناعة فيها بالبلغة.