للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رواه البيهقي في الشعب, والعسكري من حديث ابن عمر مرفوعًا في حديث. وأخرجه البخاري والترمذي وغيرهم.

وقوله -عليه الصلاة والسلام: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء،


وقال النووي: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدّث نفسك بالبقاء فيها, ولا تتعلق منها بما لا يتعلق الغريب به في غير وطنه. وقال غيره: عابر السبيل هو المارّ على الطريق طالبًا وطنه، والمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجته إلى غير بلده، فشأنه أن يبادر بفعل ما أُرْسِلَ فيه، ثم يعود، ولا يتعلّق بشيء غير ما هو فيه، وقال غيره: المراد أن يُنْزِلَ المؤمن نفسه في الدنيا منزلة الغريب، فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته, وجهازه للرجوع إلى وطنه، وهذا شأن الغريب، أو يكون كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة، واستشكل عطف عابر السبيل على الغريب، وتقدَّم جواب الطيبي، وأجاب الكرماني: بأنه من عطف العام على الخاص، وفيه نوع من الترقي؛ لأن تعلقاته أقل من تعلقات الغريب المقيم، "رواه البيهقي في الشعب، والعسكري من حديث ابن عمر مرفوعًا في" جملة "حديث، وأخرجه البخاري" في كتاب الرقاق عن ابن عمر، قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي، فقال: "كن في الدنيا كأنَّك غريب أو عابر سبيل"، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، "والترمذي" بمثل رواية البخاري، إلّا أنه قدَّم جملة: وإذا أصبحت، وقال: ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا، أي: هل يقال لك شقي أو سعيد، ولم يرد اسمه الخاص به؛ لأنه لا يتغير، وقيل: المراد هل يقال حي أو ميت، "وغيرهم"، كأبي داود، وابن ماجه وأحمد.
"وقوله -عليه الصلاة والسلام: "صنائع"، جمع صنيعة، وهي العطية، والكرامة، والإحسان، "المعروف" اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، أي: والحسنات والسيئات، وهو من الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بين الناس؛ إذ رأوه لا ينكروه، والمعروف النصفة، وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم، والمنكر ضد ذلك جميعه، قاله في النهاية، فالإضافة بيانية، أي: العطايا التي هي مطلوبة شرعًا، معروفة بين الناس، "تقي مصارع السوء"، أي: تكون سببًا لوقايته، فالإسناد مجازي، والصرع في الأصل الطرح على الأرض، لكنه استعمل هذا في مطلق الوصول تجريدًا، وهذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله.

<<  <  ج: ص:  >  >>