للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والمهاجر مَنْ هجر ما حرَّم الله عليه"، متفق عليه عن ابن عمرو، به مرفوعًا، وعن أبي موسى، ومسلم عن جابر.

وقوله: "قلة العيال أحد اليسارين".


الأعلى.
قال: والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والجائين بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإنّ أثرها في ذلك لعظيم، ونكتة التعبير باللسان دون القول شموله من أخرج لسانه استهزاء، وذكر اليد دون غيرها من الجوارح؛ ليدخل اليد المتعدية على حق الغير بلا حق، وفيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو كثير، "والمهاجر" حقيقة بمعنى الهاجر، وإن اقتضى المفاعل وقوع فعل بين اثنين، لكنَّه هنا للواحد كالمسافر، ويحتمل أنه على بابه؛ إذ من لازم كونه هاجرًا وطنه، مثلًا أنه مهجور منه، "من هجر ما حرَّم الله عليه"، هذا لفظ رواية النسائي وأبي داود، ولفظ البخاري: "من هجر ما نهى الله عنه".
قال الحافظ: والهجرة ضربان: ظاهرة، وهي الفرار بالدِّين من الفتن، وباطنة، وهي ترك ما تدعو إليه النفس الأمَّارة بالسوء والشيطان، وكأنَّ المهاجرين خوطبوا بذلك، لئلّا يتَّكِلُوا على مجرَّد التحوّل من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قبل انقطاع الهجرة، فلمَّا فتحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، بأن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نُهِيَ عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام، "متفق عليه، عن ابن عمرو" بن العاص "به مرفوعًا وعن أبي موسى"، كذا وقع المصنف تبعًا لشيخه في المقاصد بالحرف، وهو منابذ لقول الحافظ في الفتح، هذا الحديث من إفراد البخاري عن مسلم، أخرج مسلم معناه من وجه آخر، وزاد ابن حبان، والحاكم في المستدرك من حديث أنس صحيحًا: "والمؤمن من أَمِنَه الناس" وكأنَّه اختصره هنا لتضمنه لمعناه انتهى، "ومسلم" وحده "عن جابر" بلفظ: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" دون بقيته، فإيذاء المسلم من نقصان الإيمان، والإيذاء ضربان: ضَرْبٌ ظاهر بالجوارح، كأخذ المال بنحو سرقة، أو نهب، وضرب باطن كالحسد، والغل، والبغض، والحقد، والكبر، وسوء الظن، والقسوة, ونحو ذلك، فلذلك كله مضربًا لمسلم مؤذ له، وقد أمر الشرع بكفّ النوعين من الإيذاء، وهلك بذلك خلق كثير.
"وقوله" صلى الله عليه وسلم: "قلة العيال أحد اليسارين"؛ لأن الغنى نوعان: غنى بالشيء والمال، وغنى عن الشيء لعدم الحاجة إليه، وهذا هو الحقيقي، فقِلَّة العيال لا حاجة معها إلى كثرة المؤن، وقيل: اليسار خفض العيش، أي: سعته والراحة فيه، وزيادة الداخل على الخرج، أو وفاء الدخل

<<  <  ج: ص:  >  >>