ولا عال من اقتصد". رواه الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أنس.
وقوله -عليه الصلاة والسلام: "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة،
العسل جانيه، وفي بعض الآثار: نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة، واستعينوا على أموركم بالمشاورة، وقال الحكماء: من كمال عقلك استظهارك عليه، وإذا أشكلت عليك الأمور، وتغيّر لك الجمهور، فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة الفضلاء، ولا تأنف من الاسترشاد، ولا الاستمداد. وقال بعض العارفين: الاستشارة بمنزلة تنبيه النائم أو الغافل، فإنه يكون جازمًا بشيء يعتقد أنه صواب، وهو بخلافه، ولا يشاور إلّا أمينًا مجربًا، حازمًا ناصحًا، ثابت الجأش, غير معجَبٍ بنفسه، ولا متلوّن في رأيه، ولا كاذب في مقاله. زاد بعضهم: وليس محبًّا لغلبة هوى محبوبه عليه، ولا امرأة، ولا متجردًا عن الدنيا لعدم معرفته، ولا منهمكًا في حبها؛ لأن استيلائها عليه يظلم قلبه، فيفسد رأيه، ولا بخيلًا. قال ابن عباس: لما نزل وشاورهم في الأمر قال -صلى الله عليه وسلم: "أما أن الله ورسوله لغنيان عنها، لكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا، ومن تركها لم يعدم غيًّا"، رواه البيهقي بإسناد غريب. وقال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من النبي -صلى الله عليه وسلم, رواه الشافعي، ويستحبّ تقديمها على الاستخارة، كما في المدخل، "ولا عال من اقتصد"، أي: ما افتقر من توسط في النفقة على عياله، "رواه اطبراني في معجمه الأوسط"، وكذا في الصغير، كما قال النور الهيثمي "من حديث أنس" بإسناد ضعيف جدًّا. انتهى، فمن عزاه للصغير فقط، كالفتح والمقاصد، أو للأوسط فقط، كالمصنّف والجامع، فقد قصروا وهم، وكذا جزم الحافظ بأنّ إسناده واهٍ جدًّا، لكن له شواهد كثيرة. "وقوله -عليه الصلاة والسلام: "الاقتصاد"، أي: التوسُّط "في النفقة"، وتجنّب الإفراط والتفريط فيها "نصف المعيشة". قال الطيبي: وذلك لأنَّ كِلَا طرفي التبذير والتقتير ينغِّص المعيشة، والتوسّط فيه هو العيش، والعيش نوعان: عيش الدنيا وعيش الآخرة، كما أنَّ العقل نصفان: مطبوع ومسموع، والمسموع صنفان: معاملة مع الله، ومعاملة مع الخلق، وقال غيره: التوسّط في النفقة يحصل به راحة للعبد, وحسن حال، وذلك نصف ما به الحياة، فقد قيل: كمال العيش شيئان: مدة الأجل وحسن الحال، فمدة الأجل لا دخل للعبد فيها بوجه، وحسن الحال, وإن كان من الله، لكنَّه جعل للعبد مدخلًا فيه، بالسعي في أسبابه المحصّلة له عادة، "والتودد"، أي: التحبب "إلى