للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله: "إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى" رواه البزار والحاكم في علومه، والبيهقي في سننه،


له شواهد كثيرة، كقوله: "وخالق الناس بخلق حسن"، وقوله: "الخلق وعاء الدين"، وقوله: "الخلق الحسن زمام من رحمة الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك, والملك يجره إلى الخير, والخير يجره إلى الجنة، وأن الخلق السيء زمام من عذاب الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان، والشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار"؛ رواه أبو الشيخ.
"وقوله" -صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين"، أي: دين الإسلام "متين" صلب شديد، أي: كثير النفع عديم النظير، منيع لا يتأتَّى إبطاله وتحريفه، "فأوغل"، أي: سِرْ أمر لغير معيّن، فهو كرواية أحمد أوغلوا بالجمع "فيه برفق" من غير تكلُّف، ولا تحمل نفسك ما لا تطيق فتعجز وتترك العمل، "ولا تبغّض" -بضم الفوقية، وفتح الموحدة، وشد المعجمة، وآخره معجمة ساكنة- وفي نسخة بزيادة نون ثقيلة تأكيدًا للنفي، فالضاد مفتوحة، لكن الذي في المقاصد بلا نون، "إلى نفسك عبادة الله" بأن تأتي بكثير تملّه النفس، وتنفر منه، فيحملك على الترك.
قال الغزالي: أراد بهذا الحديث أن يكلف نفسه أعمال الدين بتلطُّف وتدريج، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى أقصاها؛ إذ الطبع نفور, لا يمكن نقله عن أخلاقه الرديئة إلّا شيئًا فشيئًا، فمن لم يراع التدريج، وتوغّل دفعة واحدة، ترقَّى إلى حالة تشق عليه، فتنعكس أموره، فيصير ما كان محبوبًا عنده ممقوتًا، وما كان مكروهًا عنده مشربًا هنيًا، لا ينفر عنه، وهذا لا يعرف إلّا بالتجربة والذوق، ونظيره في العادات: الصبي يحمل على التعلُّم ابتداء قهرًا، فيشق عليه الصبر على اللعب والصبر مع المعلم، حتى إذا انفتحت بصيرته، وأنِسَ بالعلم، انقلب الأمر، فصار يشق عليه الصبر عن العلم، وعلّل النهي عن ذلك بقوله: "فإن المنبت" -بضم الميم، وسكون النون، وفتح الموحدة، وشد الفوقية- المنقطع في السفر عن رفقته من البت، القطع مطاوع بت، يقال بته وأبته "لا أرضًا قَطَع"، أي: لم يقطع الأرض التي قصدها، "ولا ظهرًا أبقى"، أي: ولم يبق ظهره، أي: دابَّته تنفعه، فكذا من تكلّف من العبادة ما لا يطيق، فيكره التشديد فيها، واستعمل الظهر في الراحلة مجازًا، لكن في القاموس: الظهر خلاف البطن، مذكَّر, والركاب, وعليه فهو حقيقي، إلّا أنَّ المراد هنا مطلق المركوب إلّا الإبل فقط، "رواه البزار والحاكم في علومه"، أي: في كتابه المسمَّى علوم الحديث، وهو ما يعبِّر عنه المتأخرون بمصطلح الحديث.
"والبيهقي في سننه" من طريق شيخه الحاكم، وكذا ابن طاهر من طريقه، وأبو نعيم، والقضاعي، والعسكري، والخطَّابي في العزلة، "كلهم من طريق محمد بن سوقة" -بضم السين

<<  <  ج: ص:  >  >>