وقوله:"إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم".
رواه أبو يعلى والبزار من طرق، أحدها حسن بلفظ:"إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق".
وقوله:"الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل". رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقيّ.
لا تطيقون أن تعموا "الناس بأموالكم"، لعزة المال وكثرة الناس، فلا يمكنكم ذلك، "فسعوهم بأخلاقكم"؛ بحيث تقبلون على كلٍّ منهم بالبشاشة وإظهار المودة, وكأنَّه جعل المال محلًّا لطالبيه، لاستراحة من حصل له منك مال، فاطمأنَّ به، كما يطمئن من هبيء له منزل يدفع عنه الضرر، "رواه أبو يعلى والبزار من طرقٍ أحدها حسن" عن أبي هريرة رفعه "بلفظ: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق"، أي: لا تتسع أموالكم لعطائهم، فوسعوا أخلاقكم لصحبتهم، والوسع والسعة: الجدة والطاقة، وذلك لأنَّ استيعاب عامتهم بالإحسان بالفعل لا يمكن، فأمر بجعل ذلك بالقول، كما قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: ٨٣] . وروى العسكري عن الصولي: لو وزنت كلمة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأحسن كلام الناس كلهم، لرجحت على ذلك، وهي قوله: "إنّكم.. " إلخ، قال: وقد كان ابن عباد كريم الوعد، كثير البذل، سريعًا إلى فعل الخير، فطمس ذلك سوء خلقه، فما ترى له أمدًا، وقال إبراهيم بن آدم: إن الرجل ليدرك بحسن خلقه ما لا يدركه بماله؛ لأن المال عليه فيه زكاة، وصلة أرحام وأشياء أخر، وخلقه ليس عليه فيه شيء، وقال -صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل الظامي بالهواجر"، رواه الطبراني. "وقوله" -صلى الله عليه وسلم: "الخلق الحسن يذيب الخطايا، كما يذيب الماء الجليد، والخلق السيء يفسد العمل"، أي: يفوت المقصود منه، فربما فعل جميلًا يستحق به الثناء العاجل والثواب الآجل، فيقترن به ما يتولّد منه ضرر لمن فعل معه الجميل، فينقلب الثناء ذمًّا، ويترتَّب عليه استحقاق العقاب، "كما يفسد الخلّ العسل"، بتفويت الحلاوة واللذة الحاصلة به، فلا ينافي حصول منافع طيبة بخلطهما، وفيه إشارة إلى أنَّ الإنسان إنما يحوز جميع الخيرات، ويبلغ أقصى المنازل، وأنهى الغايات بحسن الخلق، وهو -بضمتين، وضم، فسكون- الطبع والسجيّة، "رواه" تامًّا، كما ذكرته "الطبراني في الكبير، والأوسط، والبيهقي" في الشعب، كلاهما عن ابن عباس، وضعَّفه المنذري وغيره؛ لأن في إسناد عيسى بن ميمون المديني، وهو ضعيف، لكن