للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلّا الثقة في نفسه، والسر الذي ربما كان في إذاعته تلف النفس أَوْلَى بأن لا يجعل إلّا عند الموثوق به.

وقوله -صلى الله عليه وسلم: "الندم توبة" رواه الطبراني في الكبير.


وجب، وإن لم يستشره، كما تفيده أدلة أخرى: كـ "الدين النصيحة"، و "لا ضرر ولا ضرار"، بل وأدلة خاصة كقوله: فليشر، بلام الأمر، وهو للوجوب.
وقد روى ابن ماجه والخرائطي، وغيرهما عن جابر مرفوعًا: "إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه بما هو الأصلح، وإلا فقد خانه"، فقوله: وإلا صادق بما إذا ترك مع علم الأصلح، وما إذا أشار بغيره على أن حديث الخيار يمكن تأويله بأن معناه: فعل ما ظهر له أنه الخيار من السكوت والنصح، لا أنه يخير بينهما، وإن ظهر له الأصلح، "فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلّا الثقة في نفسه، والسر الذي ربما كان في إذاعته" إفشائه "تلف النفس أَوْلَى بأن لا يجعل إلّا عند الموثوق به"، فيجب عليه بذل النصح إن تعيِّن، فيذكر الأخف من عيوب المستشار فيه إن لم يكتف، وإلّا استوعب مراعيًا في بيانها الأخفّ، فالأخف فإن لم يكتف إلّا بأعظمها ذكره.
"وقوله" صلى الله عليه وسلم: "الندم توبة"، أي: الحزن على ما فعله، أو كراهته له بعد فعله من حيث كونه تارًا فيه لإجلال الله، ومخالفًا أمره أو نهيه، إمَّا لافتضاح، أو مرض، أو عقاب, ونحو ذلك، فليس توبة، بل قد يكون معصية؛ لأنه لولا مراقبة الناس لم يكن عنده حرج من فعل المعصية، ثم المعنى: إنه معظم أركانها؛ لأنه شيء يتعلق بالقلب والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه، وليس المراد أنَّ الندم وحده كافٍ فيها، فهو نحو: "الحج عرفة".
قال الغزالي: إنما نَصَّ على أنه توبة، ولم يذكر جميع شروطها ومقدماتها؛ لأن الندم غير مقدور للعبد؛ لأنه قد يندم على أمر وهو يريد أن لا يكون، والتوبة مدورة له، مأمور بها، فعلم أن في الحديث معنًى لا يفهم من ظاهره، وهو أنَّ الندم لتعظيم حقوق الله وخوف عقابه مما يبعث على التوبة النصوح، فإذا ذكر مقدماتها الثلاث، وهي ذكر غاية قبح الذنب، وذكر شدة عقوبة الله وأليم غضبه، وذكر ضعف العبد وقلة حيلته يندم, ويحمله الندم على ترك اختيار الذنب، وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل، فيحمله على الابتهال والتضرُّع، ويجزم بعدم العود، وبذلك تتمّ شروط التوبة الأربعة، فلمَّا كان من أسبابها سماه باسمها، "رواه الطبراني في الكبير"، وأبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الأنصاري بزيادة: "والتائب من الذنب كمن لا ذنب له"، وسنده ضعيف، وأخرجه ابن ماجه، والطيالسي عن ابن مسعود بلفظ الترجمة فقط، ورجاله ثقات، بل قال الحافظ

<<  <  ج: ص:  >  >>