للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رواه أحمد وغيره. ومعناه: إن من أفضى إليك بسرِّه وآمنك على ذات نفسه, فقد جعلك بموضع نفسه، فيجب عليك أن لا تشير عليه إلّا بما تراه صوابًا،


ولا كاذب في مقاله، فارغ البال وقت الاستشارة، ولذا قيل: إنهما يحتاجان إلى علم كبير كثير، فيحتاج أولًا إلى علم الشريعة، وهو العلم المتضمِّن لأحوال الناس، وعلم الزمان والمكان، وعلم الترجيح إذا تقابلت هذه الأمور، فقد يكون ما يصلح الزمان يفسد الحال أو المكان، وهكذا، فينظر إلى الترجيح، فيفعل بحسب الأرجح عنده، مثاله: أن يضيق الزمن عن فعل أمرين اقتضاهما الحال، فيشير بأهمها، وإذا عرف من حال إنسان المخالفة، وأنه إذا أرشده لشيء فعل ضده، أشار عليه بما لا ينبغي ليفعل ما ينبغي، وهذا يسمَّى علم السياسة، فإنه يسوس بذلك النفوس الجموحة، الشاردة عن طريق مصالحها، فلذا يحتاج المشير والناصح إلى علم وعقل، وفكر صحيح وروية حسنة، واعتدال مزاج، وتؤدة وتأنٍّ، فإن لم يجمع هذه الخصال فخطؤه أسرع من إصابته، فلا يشير ولا ينصح، قالوا: وما في مكارم الأخلاق أدق ولا أخفى ولا أعظم من النصيحة.
قال الراغب: والاستشارة استنباط الرأي من غيره، فيما يعرض من المشكلات، ويكون في الأمور الجزئية التي يتردَّد فيها بين فعل وترك ونعمت العدة هي.
قال علي: المشاورة حصن من الندامة، وأمن من الملامة، ويقال: الأحمق من قطعه العجب ع الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة، "رواه أحمد" من حديث ابن مسعود بزيادة: وهو بالخيار إن شاء تكلّم، وإن شاء سكت، فإن تكلَّم فليجتهد رأيه، "وغيره" كأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، والترمذي عن أم سلمة، والطبراني عن سمرة بزيادة: إن شاء أشار، وإن شاء لم يشر، والقضاعي عنه بلفظ: "المستشار مؤتمن، فإن شاء أشار، وإن شاء سكت، فإن أشار فليشر بما لو نزل به لفعله، والطبراني عن عليٍّ وزاد: فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه، وللعسكري عن عائشة: المستشير معان، والمستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صالح لنفسه، وفي الباب جابر بن سمرة، وأبو الهيثم، وابن عباس، وآخرون.
قال السيوطي: وهو متواتر، "ومعناه"، كما قال العسكري: "إن من أفضى إليك بسرِّه، وآمنك على ذات نفسه"، إضافة بيانية إن أريد بالذات النفس، ومن إضافة المحل للحال حقيقة، أو اعتبارًا على أن النفس الروح، أو جوهر مجرَّد خارج عن البدن، متعلق به تعلق التدبير، "فقد جعلك بموضع نفسه، فيجب عليك أن لا تشير عليه إلا بما تراه صوابًا"، وهذا صادق بالترك مع العلم بالصواب؛ إذ المعنى: إذا أشرت فلا تشر إلا بالصواب، وهو مدلول سين الطلب في المستشار، وأصرح منه قوله: وهو بالخيار.. إلخ، فإنه صريح في أنه لا يجب؛ لأنه لم يتعين عليه ما لم يتحقق بالترك ضرر المحترم من نفس، أو مال، أو عرض، وإلّا تعيِّنَ نصحه، بل لو علمه

<<  <  ج: ص:  >  >>