للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله: "من غَشَّنَا فليس منا". رواه مسلم في صحيحه عن حديث أبي هريرة.

وقوله: "المستشار مؤتمن".


وفي القاموس: وغيره المكر الخديعة، والجواب: إنه جَرَّدَ المكر عن معناه، كما ذكرنا، فلا يخالف ترادفهما.
وقال الراغب: المكر والخديعة متقاربان، وهما اسمان لكل فعل يَقْصِدُ فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره، ويكون سيئًا, كقصد إنزال مكروه بالمخدوع، وإياه قصد -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث، ومعناه: يؤديان بقاصدهما إلى النار ويكون حسنًا، وهو أن يقصد فاعلهما مصلحة بالمخدوع والممكور به، كما يفعل بالصبي إذا امتنع من فعل خير، ولكونهما ضربين, قال تعالى: {الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: ١٠] ، {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} ، {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} ، ووصف نفسه بالمكر الحسن، فقال: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: ٥٤] ، [الأنفال: ٣٠] .
"وقوله" صلى الله عليه وسلم: "من غشنا"، أي: لم ينصحنا، وزَيِّن لنا غير المصلحة, "فليس منَّا"، أي: ليس على طريقنا ومنهاجنا؛ لأنَّ طريقتنا الزهد في الدنيا، والرغبة عنها، وعدم الرغبة والطمع، الباعثين على الغش.
قال الطيبي: لم يرد به نفيه عن الإسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين، أي: ليس هو على سنتنا وطريقتنا من مناصحة الإخوان، كما يقول الإنسان لصاحبه: أنا منك، يريد الموافقة والمتابعة، قال تعالى عن إبراهيم -عليه السلام: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم: ٣٦] ، وهذا قاله -صلى الله عليه وسلم- لما مَرَّ على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فابتليت أصابعه، فقال: "ما هذا"؟ قال: أصابته السماء، قال: "أفلا جففته فوق الطعام ليراه الناس"، ثم ذكر الحديث.
"رواه مسلم في صحيحه عن حديث أبي هريرة" بزيادة: "ومن حمل علينا السلاح فليس منَّا"، وفي رواية له أيضًا: "من غش فليس مني"، وأخرجه العسكري بلفظ الترجمة، وزاد: قيل: يا رسول الله, ما معنى ليس منَّا، فقال: "ليس مثلنا".
وعند أبي نعيم والطبراني في الكبير والصغير برجال ثقات عن ابن مسعود رفعه: "من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار"، أي: صاحبهما يستحق دخولها إن لم يعف الله؛ لأن الداعي إلى ذلك الحرص والشح والرغبة في الدنيا، وذلك يجر إلى النار، وأخذ الذهبي أن الثلاثة من الكبائر، فعدَّها منها، وللدارقطني بسند ضعيف عن أنس: "من غش أمتي فعليه لعنة الله".
"وقوله" صلى الله عليه وسلم: "المستشار مؤتَمَن"، أي: أمين على ما استشير فيه، ولذا احتاج كالناصح إلى كونه أمينًا مجربًا حازمًا ناصحًا، ثابت الجأش، غير معجب بنفسه، ولا متلوّن في رأيه،

<<  <  ج: ص:  >  >>