للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رواه الطبراني والبزَّار.

وقوله: "الخيل في نواصيها الخير".


علماء التابعين بحقائق اليقين ودقائق المعرفة، وفي علماء التابعين من هو أقوم بعلم الفتوى من بعض الصحابة، وفيه حَثٌّ على العلم، لكن لا مع ترك العبادة، بل هو إشارة إلى أنَّ العبادة إنما يعتدَّ بها من العالم؛ إذ العلم يحكمها ويصححها ويخلصها ويصفيها، ولذا قال -صلى الله عليه وسلم: "لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"، رواه البيهقي وغيره.
وقال الغزالي: العلم أشرف جوهرًا من العبادة, لكن لابُدَّ منها مع العلم، وإلّا كان هباء منثورًا؛ إذ العلم بمنزلة الشجر، والعبادة بمنزلة الثمر، فالشرف للشجرة، لكونها الأصل، لكن الانتفاع بثمرتها أشرف، فلابُدَّ من الأمرين، ولذا قال الحسن: اطلبوا العلم طلبًا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بالعلم.
"رواه الطبراني" في الأوسط بلفظه، "والبزار" بلفظ: "أحبّ إلي" كلاهما عن حذيفة رفعه بزيادة: "وخير دينكم الورع"، وصحَّحَه الحاكم، وحسَّنه المنذري، وشواهده كثيرة.
"وقوله" -صلى الله عليه وسلم: "الخيل" اسم جمع لهذا الجنس المجبول على الاختيال، لما خلق له من الاعتزاز به وقوة المنة في الافتراس عليه، ومنه سمي واحده فرسًا, "في نواصيها الخير".
قال الطيبي: يحتمل أن الخير المفسَّر بالأجر والمغنم, استعارة لظهوره وملازمته، وخص الناصية لرفعة قدره، فكأنه شبهه لظهور بشيء محسوس معقود على مكان مرتفع، فنسب الخير إلا لازم المشبه به، وذكر الناصية تجريد للاستعارة، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة.
قال الخطابي وغيره قالوا: ويحتمل أنه كني بالناصية عن جميع ذات الفرس، كما يقال: فلان مبارك الناصية، ويبعد لفظ الحديث الثالث، أي: في البخاري، وهو البركة في نواصي الخيل، وفي مسلم عن جرير: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلوي ناصية فرسه بأصبعه، ويقول.. فذكر الحديث، فيحتمل أنها خصت بذلك لكونها المقدم منها، إشارة إلى الفضل في الإقدام بها على العدو، دون المؤخر لما فيه من الإشارة إلى الإدبار، قاله في فتح الباري، وسبقه شيخه الحافظ العراقي، فقال: إنه خاص بناصيتها، بدليل النهي عن قصها، وقول البيضاوي: أي ملازم لها كأنه معقود فيها، فهو استعارة مكنية، قال الشاعر:
ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء
ردَّه شيخنا بأن ضابط المكنية أن لا يذكر من أركان التشبيه سوى المشبه، ويرمز إلى

<<  <  ج: ص:  >  >>