للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رفعه، وعن جابر بن عتيك: إذا حدَّث الرجل ثم التفت فهي أمانة، ورواه أبو داود في سننه, والترمذي في جامعه, وابن أبي الدنيا في الصمت. وغيرهم.

ففي هاتين الكلمتين من الحمل على آداب العشرة وآداب الصحبة وكتم السر، وحفظ الود وحفظ العهد، وإصلاح ذات البين, والتحذير من النميمة بين الإخوان، الموقعة للشنآن ما لا يكاد يخفى على مبادئ الأذهان.


عتيك" بن قيس الأنصاري، صحابي جليل، اختلف في شهوده بدرًا، مات سنة إحدى وستين، وهو ابن إحدى وتسعين، له في أبي داود والنسائي: "إذا حدَّث الرجل"، أي: الإنسان، فذكر الرجل غالبي, ومفعول حدث محذوف في رواية ابن عتيك، وقد ثبت في رواية ابن عبد الله بلفظ: إذا حدث الرجل.. الحديث، "ثم التفت"، أي: غاب عن المجلس، كما قال المظهري، أو يمينًا وشمالًا، كما قال الطيبي، فثَمَّ الحقيقة الترتيب على الأوّل لا الثاني، "فهي"، أي: الكلمة التي حدَّث بها قبل التفاته "أمانة" عند المحدَّث أودعه إياها، فإن حدَّث بها غيره فقد خالف أمر الله بتأدية الأمانة إلى غير أهلها، فيكون من الظالمين، فيجب عليه كتمها؛ إذ التفاته بمنزلة استكتامه بالنطق؛ لأن التفاته إعلام لمن يحدّثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد، وأنه قد خصَّه بسره، فكأن التفاته قائم مقام قوله: أكتم هذا عني، وهو عندك أمانة، "ورواه"، أي: حديث: إذا التفت لا بقيد كونه من حديث ابن عتيك، "أبو داود في سننه، والترمذي في جامعه"، وقال: حديث حسن، "وابن أبي الدنيا في" كتاب "الصمت وغيرهم"، كالإمام أحمد، والطيالسي، وأبي يعلى، كلهم من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا، بلفظ: إذا حدَّث الرجل.. الحديث، ثم التفت فهي أمانة، وفيه عبد الرحمن بن عطاء، وثَّقه جماعة، وليِّنَه آخرون، فتحسين الترمذي اعتماد لتوثيقه، أو لشاهده عند أبي يعلى، عن أنس به مرفوعًا، كما أفاده السخاوي.
"ففي هاتين الكلمتين" هذا الحديث والمجالس بالأمانة، سمَّاهما كلمتين لقلة حروفهما، وفي نسخة: الخصلتين، أي: المستفادتين من الخبرين، وكلاهما من جوامع الكلم "من الحمل على آداب العشرة، وآداب الصحبة، وكتم السر، وحفظ الود، وحفظ العهد، وإصلاح ذات البين"، أي: الحالة التي تكون بين الناس من التعارف والمخالطة، "والتحذير من النميمة"، هي نقل الكلام إشاعةً له وإفسادًا وتزيين الكلام بالكذب، كما في القاموس، "بين الإخوان الموقعة للشنآن"، أي: البغضاء، "ما لا يكاد يخفى"، لشدة ظهوره "على مبادى الأذهان"، أي: أوائلها، أي: إنها تدرك بأدنى التفات، فلا تحتاج لإمعان نظر وتأمّل، وإفشاء السر حرام إن أضر.
قال الماوردي: إظهار الرجل سِرَّ غيره أقبح من إظهار سِرِّ نفسه؛ لأنه يبوء بإحدى

<<  <  ج: ص:  >  >>