وقد قال ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب، لما بعث نعيم بن مسعود, وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، وأشار بذلك إلى المماكرة أنفع من المكاثرة.
قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن إلا أن
بهم، لما ينشأ عنه من المفسدة، ولو قال، وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع، أي: إن أهلها بهذه الصفة، فكأنه قال: أهل الحرب خدعة، وحكى مكي، ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة، كسر أوله مع الإسكان، ذكره الحافظ في قوله: لغة رابعة لغة خامسة، أفاد أن الرواية لم تأت بهما، وتبعه المصنّف فيتوقف في قول القاموس، والحرب خدعة -مثلثة كهمزة، وروي بهنَّ جميعًا، لكن يوافقه قول السيوطي: بفتح الخاء، وضمها، وكسرها سكون الدال، أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن. "وقد قال ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب، لما بعث بن مسعود"، الأشجعي، الصحابي المشهور، المتوفَّى أول خلافة علي، حين جاء له مسلمًا، وقال: إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال: " إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنَّا إذا استطعت، فإن الحرب خدعة"، "وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان" وبين "اليهود"، فأتى بني قريظة، وكان نديمًا لهم، فقال: قد عرفتم ودي لكم، قال: صدقت، قال: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم إن رأوا نهزة أصابوها، وإلا لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين محمد، ولا طاقة لكم به وحدكم، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنًا من أشرافهم، فقالوا: أشرت بالرأي، ثم أتى قريشًا، فقال: قد عرفتم ودي، وفراقي محمدًا، وقد بلغني أمر رأيت حقًّا علي أن أبلغكموه صحًا لكم، إن يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا بذلك إلى محمد, وقالوا: أيرضيك أن نأخذ لك من أشراف قريش وغطفان رجالًا تضرب أعناقهم، ثم نكون معك حتى نستأصل باقيهم، ثم أتى غطفان فقال لهم مثل ذلك، فأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة في نفر من القبيلتين، فقالوا: لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا، فقالت القبيلتان: إن الذي حدَّثكم نعيم لحق، وأرسلوا إليهم لا ندفع لكم رجلًا واحدًا، فقالت قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق, "وأشار بذلك إلى أن المماكرة" الاحتيال في بلوغ الغرض، "أنفع من المكاثرة"، المغالبة بالكثرة، ولذا قال ابن المنير: معناه: الحرب الكاملة في مقصودها البالغة إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر بالمخادعة بلا مواجهة. "قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن، إلّا أن يكون فيه نقض عهد وأمان، فلا يحل" ذلك.