ففي الصحيحين، عن سهل بن سعد, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال يوم خيبر:"لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله رسوله، ويحبه الله ورسوله"، فلمَّا أصبح الناس غدوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلهم يرجو أن يعطاها، قال:"أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال:"فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع.
يشفي الداء الحسي والمعنوي، كإزالة ملوحة الماء، فالجواب محذوف اكتفاءً بما دَلَّ عليه، وهو قوله: "ففي" التي بمعنى اللام، أي: لما في "الصحيحين" للبخاري ولمسلم، "عن سهل بن سعد" بن مالك بن خالد الأنصاري، الخزرجي، الساعدي، صحابي ابن صحابي. مات سنة ثمان وثمانين أو بعدها، وقد جاوز مائة، "أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم، قال يوم خيبر": بعدما أرسل أبا بكر بالراية، فقاتل شديدًا، ولم يكن فتح، ثم أرسل عمر من الغد، فقاتل أشد من الأوّل, ثم رجع ولم يكن فتح، كما عند أحمد والنسائي وغيرهما، ففي هذه الراية اختصار، فقال -صلى الله عليه وسلم: "لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". قال الحافظ: أراد وجود حقيقة المحبة، وإلّا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة، وفيه تلميح بقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ، فكأنه إشارة إلى أن عليًّا تام الاتباع، حتى وصفه بصفة محبة الله، ولذا كان حبّه علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق، كما في مسلم وغيره، "فلمَّا أصبح الناس غَدَوْا" -بمعجمة- أتوا صباحًا "على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو" بلا نون، دون ناصب وجازم، وهو لغة، كما قال المصنف. وفي رواية: يرجون "أن يعطاها"، أي: الراية، قال عمر: ما أحببت الإمارة إلّا يومئذ، رواه مسلم, وفي حديث بريدة: فما منَّا رجل له منزلة عنده -صلى الله عليه وسلم- إلّا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولت أنا لها. "قال: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه"، مثنَّى "قال: "فأرسلوا إليه" -بكسر السين- أمر من الإرسال وفتحها، أي: قال سهل: فأرسلوا إليه، أي: الصحابة إلى علي، وهو بخيبر لم يقدر على مباشرة القتال لرمده، قاله المصنّف، "فأتي به"، وفي مسلم عن سلمة: فأرسلني إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، "فبصق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عينيه فبرأ" -بفتح الراء والهمزة- بوزن ضرب، ويجوز كسر الراء بوزن علم، قاله الحافظ، فأفاد أن الرواية بالأول، أي: شُفِيَ "كأن لم يكن به وجع"، مع أنه كان أرمد، شديد الرمد، قاله جابر في الطبراني، وقال ابن عمر: أرمد لا يبصر، رواه أبو نعيم. قال علي: فما رمدت، ولا صدعت مذ دفع إليّ النبي -صلى الله عليه وسلم- الراية يوم خيبر، وفي رواية: