وقد روى الأموي في المغازي: أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما حاذاه: أمرت بقتل قومك؟ قال:"لا". فذكر له ما قاله سعد بن عبادة ثم ناشده الله والرحم، فقال:"يا أبا سفيان! اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله تعالى قريشا". وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه قيس.
وعند ابن عساكر من طريق أبي الزبير عن جابر قال: لما قال سعد بن عبادة ذلك عارضت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:
يا نبي الهدى إليك لجا ... حي قريش ولات حين لجائي
حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السماء
"وقد روى الأموي" يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي أبو أيوب الكوفي نزيل بغداد لقبه الجمل بجيم صدوق روى له الستة مات سنة أربع وتسعين ومائتين "في المغازي أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما حاذاه" وهو مار في جنود الله: "أمرت" بحذف همزة الاستفهام "بقتل قومك، قال: "لا". فذكر له ما قال سعد بن عبادة، ثم ناشده الله تعالى والرحم" نقل بالمعنى ولفظ مغازي الأموي: أنشدك الله في قومك فإنك أبر الناس وأرحمهم وأوصلهم "فقال: "يا أبا سفيان! اليوم يوم المرحمة" بالراء الرأفة والشفقة على الخلق "اليوم يع الله تعالى قريشا" بالإسلام والدين وإنقاذهم من الضلال المبين بهذا الرسول الرءوف الرحيم الذي من أنفسهم وأنفسهم فعزه عزهم وكم تحمل أذاهم ولم يدع عليهم، بل دعا لهم بالهدى وحجزهم من الوقوع في مهالك الردى "وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه قيس" ورأى صلى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج عنه إذ صار إلى ابنه هذا بقية رواية الأموي. "وعند ابن عساكر من طريق أبي الزبير" محمد بن مسلم المكي "عن جابر قال: لما قال سعد بن عبادة ذلك" القول "عارضت" تعرضت له، كأن وقفت في طريقه. "امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم" وعند الواقدي، والأموي، أن هذا الشعر لضرار بن الخطاب الفهري، قال أبو الربيع وهو من أجود شعر قاله. قال الحافظ: فكأن ضرار أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطافه صلى الله عليه وسلم على قريش "فقال: يا نبي الهدى إليك لجا" بالهمز وتركه للوزن "حي قريش ولا حين" أي ليس الوقت وقت "لجاء" بإثبات الألف للضرورة وإلا فلجاء مهموز من بأبي نفع وتعب كما في المصباح، قال البرهان وأنشده في الاستيعاب في ترجمة ضرار، وأنت خير لجاء وفي ترجمة سعد كما هنا. انتهى. فكأنهما روايتان "حين ضاقت" ظرف لجا "عليهم سعة الأرض" بفتح السين كناية عن شدة كربهم حتى كأن الأرض لم تسعهم "وعاداهم إله السماء" أي فعل معهم فعل المعادي،