الرابعة عشرة: بدر، لتمامه، ومنه البَدْرَة، وكل شيء تمَّ فهو بدرٌ مجازًا، وفي القمر حقيقة (١).
وقال الجوهري: إنما سمي بدرًا لمبادرته الشمس بالطلوع، كأنه يُعْجِلها المغيب (٢).
وقال الفرّاء: هو في أول ليلة هلال ثم قمير ثم قمر ثم بدر.
حديث ضُرب المثل به: قال البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال الناس: يا رسول الله، هل نَرَى ربَّنا يومَ القيامة؟ فقال:"هَلْ تُمارُون في القَمَر ليلةَ البَدْر ليسَ دونَه سَحَاب؟ " قالوا: لا، قال:"فَهَل تُمارُون في الشَّمسِ ليس دونَها سَحَاب؟ " قالوا: لا، قال:"فإنَّكم ترَونَه كذلك". أخرجاه في "الصحيحين (٣) ". وهو حديث طويل. وقد رواه جماعة من الصحابة بأَلفاظٍ مختلفة (٤).
فإن قيل: فهلا ضُرب المثل بالشمس وهي أضوأ وأتمُّ نورًا فإنَّ نور القمر منها، فالجواب من وجوه:
أحدها: أن نور الشمس يغلبُ على الأبصار فلا تتمكَّن من النظر، فيفوت المقصود، بخلاف القمر فإنَّ العيون تتمكن من النظر إليه.
والثاني: لأنَّ من انكسر لأجل الحقِّ سبحانه فعليه جبره، ولما طَمَس جبريل ضوءَ القمر بجناحيه انكسر قلبه لأنه كان يضاهي ضوءَ الشمس، فجبره الله تعالى بشيئين: أحدهما: أنه جَعَل العيون تنظر إليه في الدنيا في أوّل كلّ شهر، والثاني: أنه أمر نبيَّه ﷺ بأن يضرب به المثل في أَعظم الأشياء وأعلاها.
فإنْ قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قلنا: إننا لا ندَّعي أنَّ الأبصار تدركه بمعنى تحيط به، وإنما المدرَك
(١) "أدب الكاتب" ص ٨٨ - ٨٩. (٢) "الصحاح": (بدر). (٣) البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢). (٤) منها ما أخرجه البخاري (٤٥٨١) ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وانظر للتوسع كتاب "الرؤية" للدارقطني.