وذهَبَ غيرُ مالكٍ إلى أنَّ إذنَ عُثمان لأهلِ العَوالي، إنَّما كان لأنَّ الجُمُعة لم يمُن واجِبةً على أهلِ العَوالي عِندهُ؛ لأنَّ الجُمُعة إنَّما تَجِبُ على أهلِ المِصْرِ عِندَهُ. هذا قولُ الكُوفيِّين: سُفيانَ، وأبي حَنِيفةَ، وقد ذكرنا أقوالهم، فأغنى عن إعادَتِها.
وأمّا اختِلافُ العُلماءِ، في وُجُوبِ الجُمُعةِ على أهلِ العمُودِ (١)، والقُرَى الكِبارِ والصِّغارِ، وفي عَددِ رِجالِ الموضِع الذي تجِبُ فيه الجُمُعةُ، فسنذكُرُهُ في غيرِ هذا الموضِع إن شاء اللهُ تعالى.
ومن حُجَّةِ مالكٍ في مُراعاةِ الثَّلاثةِ أميال: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا معديُّ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلان، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "عسى (٢) أحدُكُم أن يتَّخِذَ الصُّبَّةَ (٣) من الغَنم، فينزِلَ بها على رأسِ ميلينِ أو ثلاثةٍ من المدينةِ، فتأتيَ الجُمُعةُ فلا يُجمِّعَ، فيُطبَعَ على قلبِهِ"(٤).
ومن حُجَّةِ من شرَطَ سماعَ النِّداءِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا الخُشنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا
(١) أهل العمود: أهل البادية. (٢) في م: "على". (٣) "الصبة من الغنم " أي: جماعة منها، تشبيهًا بجماعة من الناس، وقد اختلف في عددها، فقيل: ما بين العشرين إلى الأربعين من الضأن والمعز. انظر: تاج العروس ٣/ ١٨٧. (٤) أخرجه ابن ماجة (١١٢٧)، وأبو يعلى ١١/ ٣٣٢ (٦٤٥٠)، وابن خزيمة (١٨٥٩)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٢، واليبهقي في شعب الإيمان ٣/ ١٠٤ (٣٠١١) من طريق معدي بن سليمان، به. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ٧٦٧ (١٣١٠١). وإسناده ضعيف لضعف معدي بن سليمان.