للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ: لا تجِبُ الجُمُعةُ إلّا على من سمِعَ النِّداءَ، كان بالمِصْرِ أو خارِجًا عنهُ. يُريدانِ الموضِعَ الذي يُسْمَعُ منهُ، ومن مِثلِهِ النِّداءُ (١).

ورُوِيَ مِثلُ ذلك عن عبدِ الله بن عَمرو بن العاص (٢)، وسعيدِ بن المُسيِّبِ (٣)، وقد كان الشّافِعيُّ يقولُ: لا يتبيَّنُ عِندي أن يَحْرَجَ (٤) بتركِ الجُمُعةِ، إلّا من يسمعُ النِّداء. قال: ويُشبِهُ أن يَحْرَجَ أهل المِصْرِ وإن عَظُمَ، بتركِ الجُمُعةِ (٥).

قال أبو عُمر: يُشبِهُ أن يكون مذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ واللّيثِ في (٦) مُراعاةِ الثَّلاثةِ أميالٍ؛ لأنَّ الصَّوتَ النَّديَّ في اللَّيلِ عندَ هُدُوءِ الأصواتِ، يُمكِنُ أن يُسمَعَ من ثلاثةِ أميال، واللهُ أعلمُ، فلا يكونُ مذهبُ مالكٍ في هذا التَّاويلِ مُخالِفًا لمن قال: لا تجِبُ الجُمُعةُ إلّا على من سمِعَ النِّداء، وهُو قولُ أكثرِ فُقهاءِ الأمصارِ.

وقد ذكَرَ ابن عبدُوس في "المجمُوعةِ" عن عليِّ بن زيادٍ، عن مالكٍ، قال: عَزِيمةُ الجُمُعةِ على من كان بموضِع يَسْمعُ منهُ النِّداء، وذلك من ثلاثةِ أميال، ومن كان أبعدَ، فهُو في سَعَةٍ، إلّا أن يرغب في شُهُودِها، فهُو أحسنُ، فهذه رِوايةٌ مُفسِّرةٌ، وعلى هذا قال مالكٌ، فيما روى عنهُ ابنُ القاسم وغيرُهُ: أن ليسَ العملُ على ما صنَعَ عُثمانُ، في إذنِهِ لأهْلِ العَوالي؛ لأنَّ الجُمُعة كانت عِندهُ واجِبةً على أهلِ العَوالي، لأنَّ العَواليَ من المدينةِ، على ثلاثةِ أميالٍ ونَحْوِها (٧).


(١) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق ٢/ ٨٦٤ (٥١٣)، وذكره ابنه عبد الله في مسائله (٤٣٤) و (٤٣٥) و (٤٥١)، وابن هاني في مسائله (٤٤٥)، وجامع الترمذي، بإثر الحديث (٥٠١).
(٢) انظر: الاستذكار ٢/ ٣٨٨، والأوسط لابن المنذر ٤/ ٣٦ (١٧٦١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٥١٥٦)، وابن أبي شيبة (٥٠١٥).
(٤) في ض: "يخرج". والحَرَج: الإثم. انظر: مختار الصحاح، ص ١٢٥.
(٥) انظر: الأم ١/ ١٩٢.
(٦) في ر ١: "من".
(٧) انظر: المدونة ١/ ٢٣٤، والبيان والتحصيل ١/ ٤٣٦ و ٢/ ١١، والاستذكار ٢/ ٣٨٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>