ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَأَشِيرُوا عَلِيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي ١، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ، وَاللَّهِ إِنْ عَلِمْتُ عَلَيْهِ سُوءًا قَطُّ، وَلَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِي إِلَّا وَأَنَا شَاهِدٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِيَ". فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ- وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ٢ مِنْ رَهْطِهِ، وَكَانَ حَسَّانُ مِنْ رَهْطِهِ: وَاللَّهِ مَا صَدَقْتَ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ مَا أَشَرْتَ بِهَذَا. فَكَادَ يَكُونُ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَرٌّ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ منه، ولا ذكره لي ذاكر, حتى أمسي مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَخَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ لِحَاجَتِنَا، وَخَرَجَتْ مَعَنَا أُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَإِنَّا لَنَمْشِي وَنَحْنُ عَامِدُونَ لِحَاجَتِنَا، عَثَرَتْ أَمُّ مِسْطَحٍ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ: أَيْ أُمْ، أَتَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ فَلَمْ تراجعني.
فعادت فعثرت قالت: تعس مسطح. فقلت: أي أم, أتسبين ابنك صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فلم تراجعني. ثم عثرت ثالثة فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ: أَيْ أُمْ، أَتَسُبِّينَ ابنك صاحب رسول الله؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَسُبُّهُ إِلَّا مِنْ أَجْلِكِ وَفِيكِ. فَقُلْتُ: وَفِي أَيِّ شَأْنِي؟ قَالَتْ: وَمَا عَلِمْتِ بِمَا كَانَ؟ فَقُلْتُ: لَا، وَمَا الَّذِي كَانَ؟ قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكِ مُبَرَّأةٌ مِمَّا قِيلَ فِيكِ. ثُمَّ بَقَرَتْ لِيَ الْحَدِيثَ، فَأكِرُّ رَاجِعَةً إِلَى الْبَيْتِ مَا أَجِدُ مِمَّا خَرَجْتُ لَهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا, وَرَكِبَتْنِي الْحُمَّى فَحُمِمْتُ, فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَأَلَنِي عَنْ شَأْنِي، فَقُلْتُ: أَجِدُنِي مَوْعُوكَةً، ائْذَنْ لِي أَذْهَبُ إِلَى أَبَوَيَّ. فَأَذِنَ لِي، وَأَرْسَلَ مَعِيَ الْغُلَامَ، فَقَالَ: "امْشِ مَعَهَا". فَجِئْتُ فَوَجَدْتُ أُمِّي فِي الْبَيْتِ الْأَسْفَلِ، وَوَجَدْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي الْعُلُوِّ فَقُلْتُ لَهَا: أيْ أُمَّهْ، مَا الَّذِي سَمِعْتِ؟ فَإِذَا هِي لَمْ يَنْزِلْ بِهَا مِنْ حَيْثُ نَزَلَ مِنِّي، فَقَالَتْ: أَيْ بُنَيَّةَ وَمَا عَلَيْكَ، فَمَا مِنَ امْرَأَةٍ لَهَا ضَرَائِرُ تَكُونُ جَمِيلَةً يُحِبُّهَا زَوْجُهَا إِلَّا وَهِيَ يُقَالُ لَهَا بَعْضُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: وَقَدْ سَمِعَهُ أَبِي؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: وَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: ورسول الله -صلى الله عليه وسلم. فَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبِي الْبُكَاءَ، فَقَالَ: مَا شَأْنُهَا؟ قَالَتْ: سَمِعْتُ الَّذِي تُحُدِّثَ بِهِ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ يَبْكِي، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةَ، ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ. فَرَجَعْتُ، وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا بَيْنَ أَبَوَيَّ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِي، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ ظَلَمْتِ أَوْ أَخْطَأَتِ أو
١ أبنوا أهلي؛ أي: اتهموهم.٢ أي: أم حسان بن ثابت الصحابي، والشاعر المعروف.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute