فقال الملأ لذلك النبي:{وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}[البقرة: ٢٤٦] أي شيء لنا في ترك القتال؟ {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}[البقرة: ٢٤٦] أي: بالسبي والقهر على نواحينا، والمعنى: أنهم أجابوا نبيهم بأن قالوا: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر علينا عدونا، فأما إذ بلغ الأمر هذا فلا بد من الجهاد.
وقال الله تعالى:{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ}[البقرة: ٢٤٦] فرض عليهم الجهاد، تولوا أعرضوا عن القيام به، {إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ}[البقرة: ٢٤٦] وهم الذين عبروا النهر، ويأتي ذكرهم بعد هذا، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}[البقرة: ٢٤٦] يعني المشركين والمنافقين.
قوله:{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا}[البقرة: ٢٤٧] أي: قد أجابكم إلى ما سألتم من بعث الملك يقاتل وتقاتلون معه، {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا}[البقرة: ٢٤٧] أنكروا ملكه وقالوا: كيف يكون ملكنا؟ ! {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ}[البقرة: ٢٤٧] لأنا من سبط الملوك، ولم يكن طالوت من سبط النبوة ولا من سبط المملكة.
{وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ}[البقرة: ٢٤٧] أي: ليس بذي مال كثير فيمتلك به، قال ذلك النبي، {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ}[البقرة: ٢٤٧] اختصه بالملك، {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}[البقرة: ٢٤٧] قال ابن عباس: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه.
والبسطة: الزيادة في كل شيء، قال الكلب: زاده بسطة في العلم بالحرب، والجسم بالطول، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبيه، وإنما سمي طالوت لطوله.
{وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ}[البقرة: ٢٤٧] يريد: أن الملك ليس بالوراثة، وإنما هو بإيتاء الله تعالى واختياره، والله واسع أي: واسع الرزق والفضل، والرحمة وسعت رحمته كل شيء، وهذا كما يقال: فلان كبير عظيم.
يراد: أنه كبير القدر، كذلك هو واسع، بمعنى أنه واسع الفضل.