.. وقد دلت آيات القرآن على أن من لم يخف إلا من الرحمن، فله العز والتمكين في دار الامتحان وله الفوز والإكرام في دار الجنان، أما ما يحصل له في العاجل، فقد أخبر عنه ربنا القوي القادر بقوله – عز وجل – في سورة إبراهيم:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} إبراهيم١٣-١٤ (١) ،
(١) قوله – جل وعلا –: " ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي " كقوله – عز وجل – في سورة الرحمن: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} الرحمن٤٦، وكقوله – جل وعز – في سورة النازعات: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات٤٠-٤١ وللمفسرين في معنى ذلك قولان بارزان أحدهما: أن ذلك من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمعنى: خاف قيام ربه وكونه مهيمناً عليه، مراقباً له، حافظاً لأحواله، فالمقام للرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية، كما قال – جل وعلا – في سورة الرعد: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} الرعد٣٣، والثاني: كون ذلك من باب إضافة المصدر إلى المخوف، والمعنى: خاف قيامه بين يدي ربه – عز وجل – عند لقائه لمجازاته على عمله، والأمران مقبولان، وقررهما المفسرون الكرام، انظر زاد المسير: (٨/١١٩) ، والجامع لأحكام القرآن: (١٧/١٧٦) ، وروح المعاني (١٣/٢٠٠، ٢٧/١١٥) ومال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: (١/٥٢٣) إلى الثاني، وقال: إنه أليق بالآية.