وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ لِأَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ تَخْتَصُّ بِهِ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي وَنَوَى ظِهَارًا أَوْ طَلَاقًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ. الظِّهَارُ لِمَكَانِ التَّشْبِيهِ وَالطَّلَاقُ لِمَكَانِ التَّحْرِيمِ وَالتَّشْبِيهُ تَأْكِيدٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إيلَاءٌ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ،
يَكُونَ مَكْرُوهًا، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ قَوْلَهُ لِزَوْجَتِهِ يَا أُخَيَّةُ مَكْرُوهٌ.
وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخَيَّةُ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ» وَنَحْنُ نَعْقِلُ أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ هُوَ أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ لَفْظِ تَشْبِيهِ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ الَّذِي هُوَ ظِهَارٌ، وَلَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ هُوَ ظِهَارٌ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ أُمِّي أَقْوَى مِنْهُ مَعَ ذِكْرِ الْأَدَاةِ، وَلَفْظُ أُخَيَّةِ فِي يَا أُخَيَّةُ اسْتِعَارَةٌ بِلَا شَكٍّ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّشْبِيهِ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَفَادَ كَوْنَهُ لَيْسَ ظِهَارًا حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ حُكْمًا سِوَى الْكَرَاهَةِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كَوْنِهِ ظِهَارًا مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَدَاةِ التَّشْبِيهِ شَرْعًا، وَمِثْلُهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا يَا بِنْتِي أَوْ يَا أُخْتِي وَنَحْوَهُ، وَفِي مِثْلِ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي يَنْوِي، فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ بَائِنًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَإِنْ نَوَى الْكَرَاهَةَ وَالظِّهَارَ فَكَمَا نَوَى كَمَا فِي الْكِنَايَاتِ. وَأَفَادَ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الظِّهَارِ، فَعُلِمَ أَنَّ صَرِيحَهُ يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِعُضْوٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ ظِهَارٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀.
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ لِهَذَا اللَّفْظِ الظِّهَارُ لِوُجُودِ التَّشْبِيهِ بِالْبَعْضِ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ غَيْرَ أَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ نِيَّةُ شَيْءٍ يَصِحُّ إرَادَتُهُ مِنْ اللَّفْظِ إلَى ذَلِكَ الْمَنْوِيِّ تَصْحِيحًا لِإِرَادَتِهِ، وَجَعَلَ عَلَيَّ بِمَعْنَى عِنْدِي فِي الْكَرَامَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُفِيدَ لِلْكَرَامَةِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَفْظُ أَنْتِ عِنْدِي مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي، فَحِينَ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ نِيَّةٌ عَمِلَ بِمُوجِبِهِ فِي نَفْسِهِ.
وَلَهُمَا أَنْ يَمْنَعَا كَوْنَ الصَّرَاحَةِ تَثْبُتُ بِالتَّشْبِيهِ بِالْجُزْءِ حَالَ كَوْنِهِ فِي ضِمْنِ التَّشْبِيهِ بِالْكُلِّ بَلْ إذَا كَانَ التَّشْبِيهُ بِهِ ابْتِدَاءً، فَفِيمَا إذَا كَانَ التَّشْبِيهُ بِكُلِّهَا يَبْقَى مُجْمَلًا فِي حَقِّ جِهَةِ التَّشْبِيهِ، فَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ مُرَادٌ مَخْصُوصٌ لَا يُحْكَمُ بِشَيْءٍ خُصُوصًا وَالْحَمْلُ عَلَى الظِّهَارِ حَمْلٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ الْمُسْلِمِ الْمَعْصِيَةَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهَا وَلَا لَفْظٍ صَرِيحٍ فِيهَا، وَمَا أَمْكَنَ صَرْفُ تَصَرُّفَاتِهِ عَنْهَا وَجَبَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ التَّحْرِيمَ لَا غَيْرُ فَالْمُصَنِّفُ حَكَى فِيهِ خِلَافًا بَيْنَهُمَا وَكَذَا غَيْرُهُ، فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ لِأَنَّهُ بِكَافِ التَّشْبِيهِ: أَيْ أَدَاتِهِ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ أُمِّي وَكَأُمِّي جَمِيعًا وَاحِدٌ مُخْتَصٌّ بِالظِّهَارِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَقَدْ نَوَى مَا لَا يُنَافِيه فَإِنَّ الْحُرْمَةَ مُوجِبُ الظِّهَارَ فَيَثْبُتُ الْمَنْوِيُّ فِي ضِمْنِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فِي الْكَلَامِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إيلَاءٌ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ كَوْنِهِ الْمَعْنَى الْوَضْعِيِّ عِنْدَ التَّشْبِيهِ بِالْكُلِّ فَيَبْقَى الثَّابِتُ بِهِ لَا يَتَعَدَّى بِهِ الْمَنْوِيَّ وَتَحْرِيمُهَا مُطْلَقًا بِلَا ظِهَارٍ وَلَا طَلَاقٍ هُوَ الْإِيلَاءُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.