أَهَمُّ مِنْ النَّفْلِ (فَإِنْ تَسَاوَتْ) الْوَصَايَا (فِي الْفَرْضِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا) بِأَنْ كَانَ جَمِيعُهَا نَفْلًا (وَقُدِّمَ مَا قَدَّمَهُ) الْمُوصِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُوصِي أَنْ يَبْدَأَ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ عِنْدَهُ وَالثَّابِتُ بِالظَّاهِرِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ (وَقِيلَ) إنْ تَسَاوَتْ فِي الْفَرْضِيَّةِ (تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَجِّ) وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ (وَقِيلَ بِالْعَكْسِ) قَالَ فِي الْكَافِي وَاخْتَلَفَتْ رِوَايَاتٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ.
وَقَالَ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ يُبْدَأُ بِالْحَجِّ، وَإِنْ أَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَتَأَدَّى بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ وَالزَّكَاةُ بِالْمَالِ فَحَسْبُ فَكَانَ الْحَجُّ أَقْوَى فَيُبْدَأُ بِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفَقِيرِ ثَابِتٌ وَالْحَجُّ تَمَحَّضَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَتْ الزَّكَاةُ أَقْوَى (وَيُقَدَّمُ الْحَجُّ وَالزَّكَاةُ عَلَى الْكَفَّارَاتِ فِي الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ) لِرُجْحَانِهِمَا عَلَيْهَا فَقَدْ جَاءَ فِيهِمَا مِنْ الْوَعِيدِ مَا لَمْ يَأْتِ فِي كَفَّارَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: ٩٧] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: ٣٤] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِمَا.
(وَ) تُقَدَّمُ (الْكَفَّارَاتُ عَلَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ) لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِوُجُوبِهَا بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
(وَ) تُقَدَّمُ (صَدَقَةُ الْفِطْرِ) مُقَدَّمَةٌ (عَلَى الْأُضْحِيَّةِ) لِلِاتِّفَاقِ فِي وُجُوبِهَا وَلِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ التَّضْحِيَةِ وَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يُقَدَّمُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى بَعْضٍ كَالنَّذْرِ يُقَدَّمُ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ دُونَهَا.
(وَإِنْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَحَجُّوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (عَنْهُ) أَيْ الْمُوصِي (رَجُلًا مِنْ بَلَدِهِ) الَّذِي يَحُجُّ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَنْهُ حَالَ كَوْنِهِ (رَاكِبًا) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَحُجَّ مِنْ بَلَدِهِ فَيَجِبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ كَمَا وَجَبَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَدَاءِ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا شُرِطَ أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَوَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَزِمَهُ (إنْ وَفَتْ النَّفَقَةُ) لِلْإِحْجَاجِ مِنْ بَلَدِهِ رَاكِبًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَفِ النَّفَقَةُ (فَمِنْ حَيْثُ تَفِي) النَّفَقَةُ وَفِي الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَحُجَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِالْحَجِّ بِصِفَةٍ وَقَدْ عُدِمَتْ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ غَرَضَهُ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فَتَنْفُذُ مَا أَمْكَنَ.
(وَإِنْ خَرَجَ حَاجًّا فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» وَالْخُرُوجُ إلَى الْحَجِّ لَيْسَ مِنْ الثَّلَاثِ فَظَهَرَ بِمَوْتِهِ أَنَّ سَفَرَهُ كَانَ سَفَرَ الْمَوْتِ لَا سَفَرَ الْحَجِّ فَكَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَخُرُوجِهِ لِلتِّجَارَةِ إذَا مَاتَ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ فَكَذَا هُنَا. (وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ مَاتَ اسْتِحْسَانًا) ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ وَقَعَ قُرْبَةً وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: ١٠٠] وَلَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.