لَهُ فِي الْآخِرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" بَرَاءَةٌ" «١» مُسْتَوْفًى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْمُؤْمِنُونَ، أَيْ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا عُجِّلَ لَهُ الثَّوَابُ وَلَمْ يُنْقَصْ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا، وَلَهُ فِي الْآخِرَةِ الْعَذَابُ لِأَنَّهُ جَرَّدَ قَصْدَهُ إِلَى الدُّنْيَا، وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" فَالْعَبْدُ إِنَّمَا يُعْطَى عَلَى وَجْهِ قَصْدِهِ، وَبِحُكْمِ ضَمِيرِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْأُمَمِ بَيْنَ كُلِّ مِلَّةٍ. وَقِيلَ: هُوَ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ، وَفِي الْخَبَرِ أَنَّهُ يُقَالُ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ:" صُمْتُمْ وَصَلَّيْتُمْ وَتَصَدَّقْتُمْ وَجَاهَدْتُمْ وَقرأْتُمْ لِيُقَالَ ذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ" ثُمَّ قَالَ:" إِنَّ هَؤُلَاءِ أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ". رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله تَعَالَى:" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها" وَقَرَأَ الْآيَتَيْنِ،. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ «٢»] بِمَعْنَاهُ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا. وَقِيلَ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ يَنْوِي بِعَمَلِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ معه أصل إيمان أو لم يكن، قال مُجَاهِدٌ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُعَاوِيَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً إِلَّا وُفِّيَ ثَوَابَهَا، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا مُخْلِصًا وُفِّيَ فِي الدُّنْيَا والآخرة، وإن كان كافرا وفي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ [الدُّنْيَا] بِغَزْوِهِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُفِّيَهَا، أَيْ وُفِّيَ أَجْرَ الْغُزَاةِ وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْهَا، وَهَذَا خُصُوصٌ وَالصَّحِيحُ الْعُمُومُ. الثَّانِيَةُ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:" إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" وَتَدُلُّكَ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَامَ فِي رَمَضَانَ لَا عَنْ رَمَضَانَ لَا يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ، وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ لِلتَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّفِ لَا يَقَعُ قُرْبَةً عَنْ جِهَةِ الصَّلَاةِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ. الثَّالِثَةُ- ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُطْلَقَةٌ، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ. الَّتِي فِي" الشُّورَى"" مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها" «٣» [الشورى: ٢٠] الْآيَةَ. وَكَذَلِكَ" وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها" «٤» [آل عمران: ١٤٥] قَيَّدَهَا وَفَسَّرَهَا الَّتِي فِي" سُبْحَانَ"" مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ" «٥» [الإسراء: ١٨] إلى قوله:" مَحْظُوراً" [الإسراء: ٢٠] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَنْوِي وَيُرِيدُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا"
(١). راجع ج ٨ ص ١٦١.(٢). من ع وو.(٣). راجع ج ١٦ ص ١٨.(٤). راجع ج ٤ ص ٢٢٦ فما بعد.(٥). راجع ج ١٠ ص ٢٣٥ فما بعد
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.