أو سوق هدمه حتى أفسد منها حومات، وحيث قال إن القبائل أحبته رأينا مصداق ذلك، فليس أحد من هؤلاء القبائل جوار المدينة إلا ويريد البيع والشراء مع عدو الله لكونه يبذل لهم ويظهر لهم الأموال، وأهل الجبال هم أطمع خلق الله، واتخذ منهم جواسيس بعد أن حرسنا جهدنا.
ولما تزحزح عدو الله من تطوان لم تكن لهم شاهية في ضربه ولا في الدفاع عن البلاد، إنما تسابقوا لحمل أولادهم وتركوا له الطريق حتى كاد يصل إلى المحلة، وقام الروع في الجبال كلها بسبب رحيل هؤلاء الناس، وكل قبيلة تقول أنا لا أفعل معه العيب لئلا يفعل بى كذا.
والقبائل غير المجاورة التي لم تحضر يوم دخول تطوان إنما كانت شاهيتهم كسر المحلة وتفريق الأمر بالتريتيل، وإذا رأينا القبائل والمحال نقول إذا خرج الرومى لا يبقى له عسكر ولا فرس، وربما أخذناه بما معه، فإذا انتشب البارود لم يجد الإنسان النصف ولا العشر مما كان يرى ومن حضر مع هذا لا يقاتل كله، ومن قاتل صباحا بقى تجاه العدو حتى يفنى ما معه من البارود والخفيف ولم يجد من يشد معه ولا يشد عليه، ومن ذهب لينهض الناس أتعبوه إن وجدهم، وإنما شأن الناس أخذ شواهق الجبال بقدر رؤية العين، وليس هذا شأن المقاتلة، والعدو آخذ في البلاد كثيرا، وحيث يزيد العدو شبرا يكتفى به ويظهر له في حاله أكثر مما كان قبله، وقد عاينت كل الناس هذا الأمر وعايناه من جميع الناس حتى إن اليوم الذى ذهبت لمحلة الرومى دمره الله لم يكن أحد يصل معى إلا بمشقة عظيمة، وحين أشرفنا عليه ورأيناه حاملا على بهائمه وإبله وكراريسه قاصدا ناحيتنا، وجهنا للمحلة تأتى خيولها ورماتها لربما يصدر من هذا العدو أمر منكر، فلما بلغهم خبرنا هرب من هرب ومن بقى كان على أُهبة للفرار، فحملنا هذا على الصلح ما أمكن، وكل ما كان من مال أو غيره الله يخلفه لمولانا ومن أعناق البغاة يخرج.