للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= أو جامداً، وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، مع أن الغالب على سمن الحجاز أن يكون ذائباً، وقد قيل: أنه لا يكون إلَّا ذائباً، والغالب على السمن أنه لا يبلغ القلتين، مع أنه لم يستفصل هل كان قليلاً أو كثيراً.
فإن قيل: فقد روي في الحديث: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم، وإن كان مائعاً فلا تقربوه". رواه أبو داود وغيره؟! قيل: هذه الزيادة هي التي اعتمد عليها من فرّق بين المائع والجامد، واعتقدوا أنها ثابتة من كلام النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا في ذلك مجتهدين قائلين بمبلغ علمهم واجتهادهم، وقد ضعّف محمد بن يحيى الذهلي: حديث الزُّهريّ، وصحّح هذه الزيادة؛ لكن قد تبيّن لغيرهم أن هذه الزيادة وقعت خطأ في الحديث، ليست من كلام النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا هو الذي تبيّن لنا ولغيرنا، ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من كلام النَّبيّ - صَلَّى الله عليه وسلم -، فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها، بعد أن كنّا نفتي بها أولاً، فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. والبخاري والترمذي رحمة الله عليهما وغيرهما من أئمة الحديث قد بيّنوا لنا: أنها باطلة، وأن معمراً غلط في روايته لها عن الزُّهريّ، وكان معمر كثير الغلط، والأثبات من أصحاب الزُّهريّ كـ: مالك، ويونس، وابن عيينة، خالفوه في ذلك، وهو نفسه اضطربت روايته في هذا الحديث، إسناداً ومتناً، فجعله عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وإنما هو عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. وروي عنه في بعض طرقه، أنه قال: "إن كان مائعاً فاستصبحوا به"، وفي بعضها: "فلا تقربوه".
والبخاري بيّن غلطه في هذا، بأن ذكر في صحيحه عن يونس، عن الزُّهريّ نفسه، أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن؟ فقال: "إن كان جامداً أو مائعاً قليلاً أو كثيرًا تلقى وما قرب منها ويؤكل، لأنَّ النَّبيّ - صَلَّى الله عليه وسلم - سئل عن فأرة وقعت في سمن؟ فقال: "ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم". فالزهري الذي مدار الحديث عليه، قد أفتى في المائع والجامد، بأن تلقى الفأرة وما قرب منها، ويؤكل واستدل بهذا الحديث، كما رواه عنه جمهور أصحابه، فتبيّن أن من ذكر عنه الفرق بين النوعين فقد غلط. =

<<  <   >  >>