غير أن ما تقدم قصدت به أن يكون توطئة لأمر لا يقل عنه أهمية، بل هو أهم منه من جهة أخرى، وهي كثرة ما يواجه الباحث منه، فهو المقصود الأول بهذا المبحث، وأعني بهذا النظر في دلالة نصوص النقاد التي تدخل ضمن مصطلحات مشهورة متداولة، مثل قولهم: فلان ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو ليس بشيء، أو متروك الحديث، وما يجري مجراها، فإن هذه الألفاظ قد اصطلح على معناها، وعلى أساس هذه المعاني تم وضع مراتب الجرح والتعديل التي تقدم الحديث عنها في المبحث الثالث من الفصل الثاني، غير أن هذه الأحكام قبل تنزيلها على المصطلح العام تحتاج إلى نظرة شمولية، يراعى فيها سياق الكلام نفسه، وكلام الناقد في الراوي مجتمعا، مضموما إلى كلام النقاد الآخرين.
وسبب الحاجة إلى ذلك أن النقاد في ذلك العصر لشيوع النقد، وكون المستمع لهم من أهل النقد أيضا- يطلقون أحكاما على الرواة ولا يريدون بها الحكم المطلق الذي تفيده بناء على الاصطلاح العام، فتنزيلها عليه مباشرة وقبل النظرة الشاملة قد يؤدي إلى خلل في الحكم النهائي على الراوي، وكثيرا ما ينتج عن هذا التنزيل بروز اختلاف بين كلام الناقد الواحد، أو بين كلام النقاد، ربما أحوج إلى تضعيف رواية، أو نسبة ناقد إلى التشدد أو التساهل، أو إلى قلة الخبرة بالراوي، والحقيقة أنه لا وجود للاختلاف أصلا.
وقد أفاض جماعة من الأئمة والباحثين الذين ينظرون في كلام النقاد الأولين وفق ضوابط النظر-كأبي الوليد الباجي، والذهبي، وابن حجر، والسخاوي، والمعلمي، وشيخنا فضيلة الشيخ عبد العزيز بن