ولهذا قالوا: رجل لسن، بين اللسن إذا كان ذا بيان وفصاحة، وقد سمى الله تعالى القرآن لساناً؛ فقال عز من قائل:{وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً}(٢).
على أنهم وإن كانوا يحبون البيان والطلاقة والتحبير والبلاغة والتخلص والرشاقة - كما يقول الجاحظ - فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر والتكلف والإسهاب والإكثار؛ لما في ذلك من التزيد والمباهاة وإتباع الهوى والمنافسة في العلو والقدر كما كانوا يكرهون الفضول في البلاغة؛ لأن ذلك يدعو إلى السلاطة، والسلاطة تدعو إلى البذاء (٣).
أما نقدهم فقد نظروا فيه إلى انسجام الوزن؛ كما صنع أهل يثرب مع النابغة الذبياني؛ فقد أقوى في قوله:
أمن آل مية رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزود
زعم البوارح أن رحلتنا غداً ... وبذاك خبرنا الغراب الأسود
فلما قدم المدينة عابوا عليه ذلك، ولكنه لم يأبه لقولهم؛ حتى
(١) الروم: ٢٢. (٢) لسان العرب مادة (ل س ن). (٣) البيان والتبيين ج ٢ ص ٧٩.