للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

إن الحديث السابق يُسفِر عن ذات الحقيقة، وهو أن صلاح المجتمعات آخذٌ بالتناقص مع مرور الوقت، كما يشير إلى النسبية والتفاوت في مستوى الصلاح بين الأجيال الأولى في الإسلام والأجيال اللاحقة على وجه العموم، وقد فُسّر الحديث بأن العُشر المأمور به إنما المقصود به: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي الرعيل الأوّل وفي فجر الإسلام كان الدين عزيزاً، وفي أنصاره كثرةً، فلا عُذر في التهاون في هذه الشعيرة العظيمة، ولكن حين يضعف الإسلام، وتكثر الظلمة، ويعم الفسق، ويكثر الدجالون، وتقل أنصار الدين، ويتوارى الحق فيعذر المسلمون فيما تركوه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعدم القدرة، والله سبحانه وتعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ولنا كذلك حذيفة بن اليمان عند ابن ماجة، وفيه: "يَدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة، ولا نسك ولا صدقة، ويبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله، فنحن نقولها" (١)، وحديث أنس رضي الله عنه: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله" (٢).

على أننا نؤكّد أن هذه الأحاديث تتحدّث عن جانبٍ إخباريّ يتعلّق بفترةٍ زمنيّة طويلة تشمل أجيلاً متتالية، فليس المقصود نفي الخيريّة عن أمتنا أو أن تكون هذه الأحاديث سبباً في تسرّب اليأس من النفوس أو مدعاةً للتخاذل، فكما بيّنت السنة الخلل الحاصل فقد بيّنت أسبابه، وبتجنّب الأسباب يكون الصلاح، والعبدُ إنما هو مكلّفٌ بخاصّة نفسه أن يُصلحها وليس مسؤولاً عن فساد غيره ما دام قد أدّى ما عليه، قال تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: ٢٢]. والله تعالى أعلم.

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم؛ لقوله تعالى: {إلا من سفه نفسه}.


(١) رواه ابن ماجة (٤٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٤٧٣). قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. قال البوصيري في الزوائد: (ق ١/ ٢٤٧): اسناده صحيح ورجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: برقم (٨٧). (يدرس) من درس الرسم دروسا: إذا عفا وهلك. (وشى الثوب): نقشه.
(٢) صحيح مسلم: (١٤٨). عض الرويات جاء فيها: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه)
وهي رواية أحمد في "المسند" (٣/ ٢٦٨)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٢٦٢) والحاكم (٤/ ٥٤٠) بل هي إحدى روايات مسلم كما نقله القاضي عياض من رواية ابن أبي جعفر. انظر النووي في "شرح مسلم" (٢/ ١٧٨). فهذه الرواية تفسر الرواية الأولى، فيكون المعنى: لا تقوم الساعة على الموحدين الذين يقولون: لا إله إلا الله.
قلت: ومن أشراط الساعة ذهاب الصالحين وإرتفاع الأسافل، فقد وجاء في حديث حذيفة رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: "ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان". (أخرجه البخاري في الرقاق، باب: رفع الأمانة (٦٤٩٧) واللفظ له، ومسلم في الإيمان (١٤٣) مختصرا).
قال الشيخ يوسف الوابل: "وهذا هو الواقع بين المسلمين في هذا العصر، يقولون للرجل: ما أعقله! ما أحسن خلقه! ويصفونه بأبلغ الأوصاف الحسنة، وهو من أفسق الناس، وأقلهم ديناً وأمانة، وقد يكون عدواً للمسلمين، ويعمل على هدم الإسلام. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". (أشراط الساعة (ص ١٨٢).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة" قيل: وما الرويبضة؟ قال: "السفيه يتكلّم في أمر العامة". (أخرجه أحمد (٢/ ٢٩١) واللفظ له، وابن ماجه في الفتن، باب: شدة الزمان (٤٠٣٦)، قال البوصيري: "هذا إسناد فيه مقال؛ إسحاق بن بكر بن أبي الفرات قال الذهبي في الكاشف: مجهول، وقال السليماني: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات"، والحديث صححه الحاكم (٤/ ٥١٢)، والألباني في الصحيحة (١٨٨٧).
وفي حديث جبريل الطويل قوله: "ولكن سأحدثك عن أشراطها ... وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها". (أخرجه البخاري في الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم (٥٠)، ومسلم في الإيمان (٩) واللفظ له).
قال ابن رجب رحمه الله: "فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا؛ فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان فقيراً عائلاً فصار ملكاً على الناس سواءً كان ملكه عاماً أو خاصاً في بعض الأشياء فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم، بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال، وإذا كان مع هذا جاهلاً جافياً فسد بذلك الدين؛ لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل همته في جباية المال وإكثاره، ولا يبالي بما أفسد من دين الناس، ولا بمن أضاع من أهل حاجاتهم". (جامع العلوم والحكم (١/ ٤١).

<<  <  ج: ص:  >  >>