للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا تحيا الأمم ولا ترقى الشعوب إلا بعظمائها، وعظماء أمّة الإسلام هم أهل الصلاح والإصلاح، الذين يحتسبون وجه الله سبحانه فيما ينالهم من العنت والمشقّة حين تأدية واجبهم وتحقيق رسالتهم، والذين يتركون في الناس الذكر الحسن في حياتهم وبعد مماتهم، هم البركة الحقيقيّة والذخيرة التي لا تنضب، يعرف ذلك من لمس أثرهم، وحرص على القرب منهم، وشتّان بين الجليس الصالح، وجليس السوء، فإذا كانت حاجة الأمم إليهم وتعلّقها بهم لا تُقدّر بثمن، فكيف الحال إذا كان تناقصُ أعدادِهم واختفاءُ آثارهم هو علمٌ من أعلام الساعة وأشراطها؟ ذلك هو ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحابته تصريحاً وتلميحاً في غيرما مناسبة، وكان من جملة إخباراته النبويّة ما جاء في حديث مرداس الأسلمي رضي الله عنه مرفوعاً: "يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حُفالة، كحفالة الشعير والتمر، لا يباليهم الله بالةً" (١)، وفي رواية: "لا يعبأ الله بهم الله بهم شيئا" (٢).

ومعنى "حُفالة": ما يسقط من قشر الشعير عند الغربلة، ومن التمر بعد الأكل، وقد جاء في رواية أخرى بلفظ "حثالة"، وهي بذات المعنى، وأما معنى "لا يباليهم الله بالةً": لا يرفع لهم قدر ولا يقيم لهم وزنا (٣) ً.

فهذا الحديث يشير صراحةً إلى أن موت الصالحين وتناقص أعدادهم هو من أشراط الساعة، وأن ذهابهم يكون شيئاً فشيئاً وليس مرّةً واحدة، كما أن في الحديث السابق ترغيبٌ في الاقتداء بالصالحين، والتحذير من مخالفة طريقهم، خشية أن يكون من خالفهم ممن لا يباليه الله ولا يعبأ به، كما ذكر ذلك شرّاح الحديث.

وقريبٌ من الحديث السابق ما جاء في سنن ابن ماجة، ومسند الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لتنتقوُنَّ كما يُنتقى التمر من أغفاله، فليذهبن خياركم، وليبقين شراركم، فموتوا ان استطعتم" (٤)، ومعنى (من أغفاله): أي مما لاخير فيه.

وعنه رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنكم في زمانٍ من ترك منكم عُشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمانٌ من عمل منهم بعشُر ما أمر به نجا" (٥).


(١) رواه البخاري (٦٤٣٤).
(٢) رواه البخاري موقوفا على مرداس الأسلمي رضي الله عنه راوي الحديث (٤١٥٦).
(٣) يقول ابن حجر: "والحثالة ما سقط من قشر الشعير، والأرز، والتمر، والرديء من كل شيء"، قال: "ووجدت لهذا الحديث شاهداً من رواية الفزارية امرأة عمر بلفظ "تذهبون الخَيِّر فالخَيِّر حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر ينزو بعضهم على بعض نزو المعز". [فتح الباري: ١١/ ٢٥٢].
ومعنى "لا يباليهم الله بالة"، أي لا يعبأ بهم، ولا يرفع لهم قدراً، ولا يقيم لهم وزناً". [فتح الباري: ١١/ ٢٥٢].
وفي رواية: "يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة، يبقى منهم حثالة قد مَرِجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه. قالوا: يا رسول الله، فما المخرج؟ قال: "تأخذون ما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم"، إذا كان لديك صحبة طيبة أخوان في الله خاصين، "وتدعون أمر عامتكم" [رواه أبو داود: ٤٣٤٤، وصححه الألباني صحيح الجامع: ٤٥٨٥]، لأن الأكثرية ليسوا على الحق، الحديث رواه أحمد، وقال عنه أحمد شاكر: "إسناده صحيح". [مسند أحمد: ٧٠٤٩].
يغربلون غربلة يذهب الأخيار، ويبقى الأشرار الأراذل، كما ينقى الدقيق بالغربال، حتى لا يبقى إلا الشيء السيئ من هذه الحثالة، ومرجت عهودهم، وأماناتهم اختلطت وفسدت، ولا عندهم عهد ولا أمانة، ينقضون العهود، ويخونون الأمانات، واختلط بعضهم ببعض، فهم في أمر مريج، لا يعرفون المعروف ولا ينكرون المنكر، وكذلك لا تعرف الأمين من الخائن، والبر من الفاجر، اختلطت الأمور لا يعرف الصالح من الطالح، وهذا ولا شك أنه وقع منه جزء كبير الآن، فالآن إذا أردت أن تميز إذا جاء رجل يخطب ابنتك أو أختك لا تعرف هذا صالح أو طالح، الناس الآن صار فيهم خلط كبير.
فتمييز الجيد لا يكاد يعرف، فالنفاق منتشر، وأشياء مخفية وأشياء لا تعرف وهكذا، ونصحهم بالإقبال على أمر خاصتهم لأن الإنسان يعرف الناس المقربين منه الذي يعرف حالهم، وأنهم على الخير يلتزم بهم.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٨)، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٩/ ٢٥، والحاكم ٤/ ٤٨٠ و ٤٨١، وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه " وأقره الذهبي.
(٥) روى الترمذي (٢٢٦٧)، والطبراني في "المعجم الصغير" (١١٥٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٣١٦).
وقال أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ منكر، رواه نعيم بْن حَمَّاد، وليس بثقة". "العلل المتناهية" (٢/ ٣٦٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>