للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

و {المشرق}: "هو موضع شروق الشمس، وهو موضع طلوعها، كما يقال: لموضع طلوعها منه: (مطلع)، بكسر اللام" (١).

قال الراغب: " المشرق والمغرب، تارة يقالان بلفظ الواحد إما إشارة إلى ناحية الأرض، وإما إلى المطلع والمغيب، وتارة بلفظ التثنية إشارة إلى مشرقي ومغربي الشتاء والصيف، وتارة بلفظ الجمع اعتباراً باختلاف المغارب والمطالع كل يوم، وشرقت الشمس طلعت، وأشرقت: أضاءت وذلك إذا كثير شروقها، وشرقت اللحم: ألقيته على الشمس المشرق، والشرف الصلب لأنه يقام فيه صلاة [العيد] عند شروقها، وشرق الثوب بالصبغ تشبيها بلون الشرقة، والغروب للشمس تصور منه بعد ذهابها عن العمارة، فيقال لدى تباعد غروب، ومنه الغروب لكونه مبعدا في الذهاب، وغارب السنام لبعده عن المنال، وغرب السيف أبعد جزء من صحيفته، ثم تصور منه حدته، فقيل لسان غرب وسمي الدلو غرباً لتصور بعدها في البئر، ثم سمي الماء به كتسميتهم إياها بالذنوب لكونه فيها، والغرب للذهب لكونه غريباً فيما بين الجواهر، والغرب لبعده عن المثمرات من الأشجار" (٢).

وقد خصهما (المشرق والمغرب) بالذكر، لكونهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها، كان مالكا لكل الجهات.

قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله} [البقرة: ١١٥]، " أي إلى أي جهة توجهتم بأمره فهناك قبلته التي رضيها لكم" (٣).

قال أبو السعود: " أي ففي أي مكان فعلتم تولية وجوهكم شطر القبلة، فهناك جهته" (٤).

قال الزمخشري: " ففي أى مكان فعلتم التولية، [فثمّ] جهته التي أمر بها ورضيها، والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أى بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص إسكانها في مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان" (٥).

قال الراغب: أي" وحيث ما توجهتم، فهو موجود يمكنكم الوصول إليه" (٦).

وقد اختلف فيه المفسرون من السلف، والخلف، في قوله تعالى {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥]، على أقوال (٧):

أحدها: أن المراد به: وجه الله الحقيقي. وإنه من آيات الصفات. وهذا قول ابن خزيمة (٨)، والسعدي (٩)، وابن عثيمين (١٠).


(١) تفسير الطبري: ٢/ ٥٢٦.
(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٨٩٨ - ٢٩٩.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٩.
(٤) تفسير أبي السعود: ١/! ٥٠.
(٥) الكشاف: ١/ ١٨٠.
(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٩٩.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٥٣٦. وتفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤.
(٨) انظر: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٦.
(٩) انظر: تفسير السعدي: ١/ ٦٤.
(١٠) انظر: "شرح العقيدة الواسطية" ١/ ٢٨٩ (ط. ابن الجوزي).
وقد بيَّن الشيخ ابن عثيمين في "شرح الواسطية" ١/ ٢٩٠: أن الأول صحيح موافق لظاهر الآية، وأن الثاني لا يخالف الأول في الواقع، فإذا قلنا: فثم جهة الله، وكان هناك دليل سواء كان هذا الدليل تفسير الآية الثانية في الوجه الثاني، أوكان الدليل ما جاءت به السنة، فإنك إذا توجهت إلى الله في صلاتك، فهي جهة الله التي يقبل الله صلاتك إليها، فثم أيضًا وجه الله حقًا، وحينئذٍ يكون المعنيان لا يتنافيان. اهـ. هذا وقد نبه شيخ الإسلام على أمرٍ مهم فقال في "الفتاوى" ٦/ ١٧: والغرض أنه إذا قيل: فثم قبلة الله لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه، الذي ينكره منكرو آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية دالة عليه، وإن كانت على ثبوت صفة فذاك شيء آخر، ويبقى دلالة قولهم {فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ} على: فَثَّمَّ قبلة الله، هل هو من باب تسمية القبلة وجهًا باعتبار أن الوجه والجهة واحد، أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله؟ فهذا فيه بحوث ليس هذا موضعها. [انظر: حاشية التفسير البسيط: ٣/ ٢٦٠].

<<  <  ج: ص:  >  >>